الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٨٣
فإنه لا يمتنع أن تكون العلة أولا موجودة لشيء فيكون ذلك الشيء معلولا لها، ثم تكون العلة بتوسط ذلك المعلول لمعلول آخر[١]، فتكون هذه الواسطة معلولة[٢] في الوجود للأكبر، لكنها[٣] علة لوجود علة في معلول آخر. و ليس سواء أن نقول" وجود الشيء"، و أن نقول" وجود الشيء في الشيء"[٤]. و لا يتناقض أن نقول هذا معلول الشيء، ثم نقول لكنه علة لوجود هذا الشيء في معلول آخر: فإن حركة النار مثلا معلولة لطبيعتها، ثم قد تصير علة لحصول طبيعتها عند الشيء الذي حصلت عنده ففعلت فيه. و لذلك هي التي تجعل حدا أوسط دون نفس طبيعة النار، فإن نفس طبيعة النار لا تكون علة الإحراق[٥] بذاتها إلا بتوسط معلول هو مماستها للمحترق أو حركتها إليه مثلا.
فالشيء الذي هو علة لوجود الأكبر مطلقا، فهو علة له في كل موضوع، و لوجوده في كل أصغر. و إلا فهو علة لا لوجوده مطلقا، و لكن لوجوده في موضوع ما. فأما العلة لوجود الأكبر في الأصغر فليس يجب أن تكون لا محالة علة للأكبر، بل ربما كان معلولا له على الوجه الذي قلنا.
و ليس لقائل أن يقول: يجب من قولكم أن يكون ما هو علة لوجود الشيء فهو علة في وجوده لما وجد له، و إذا كان كذلك، فمتى كان الأكبر علة لوجود الأوسط، كان علة له حيث كان، فكان علة له في وجوده للأصغر: فلم يكن هو علة لوجود[٦] الأكبر في الأصغر، بل معلولا له.
و محال أن يكون المعلول علة علته[٧]. فإن الجواب عن ذلك أنه يجوز أن يكون الأوسط و الأكبر لكل واحد منهما ذات و لكل واحدة من الذاتين كون في شيء، فيكون الأكبر من حيث هو ذاته علة للأوسط من حيث هو ذاته، و يكون لكل واحد منهما اعتبار كونه في شيء هو[٨] غير اعتبار ذاته. فإن كان ذات الأوسط لا تتحقق موجودة إلا أن تكون في ذلك الأصغر[٩]، فلا شك في أن الأكبر علة لوجوده في الأصغر. و أما إن كان ذلك أمرا لا يلزمه، فيجوز أن يكون شيء آخر علة لذلك. و يجوز أن يكون الأكبر علة لذلك. و كيف كان، فإن ذات[١٠]
[١] أي تكون العلة لمعلول آخر بتوسط ذلك المعلول.
[٢] س معلولا.
[٣] س لكنه.
[٤] س في شيء.
[٥] س للإحراق.
[٦] م في وجود.
[٧] س ساقطة.
[٨] س و هو.
[٩] س لا تتحقق موجودا إلا أن تكون موجودا في ذلك الأصغر.
[١٠] ص ساقطة.