الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٧٣
يصدق بها بالأشياء من غير استعانة بقياس، فقد علمنا بالقوة الحكم على كل جزئي تحته، و لكن جهلناه بالفعل. فلا نعرف مثلا أن زيدا الذي بالهند حيوان: لأنا إنما عرفناه[١] بعد بالقوة إذ عرفنا أن كل إنسان حيوان، و إنما جهلناه بالفعل لأنه يحتاج أن يجتمع لنا إلى هذا العلم علم آخر أو علمان آخران حتى يخرج الذي بالقوة إلى الفعل. و ذلك بأنه يجب أن نعلم أن زيدا موجود، و أن نعلم أنه موجود إنسانا. فإذا حصل لنا بالحس معرفة أنه موجود و أنه إنسان من غير أن يكون مطلوبا[٢] أو متعلما، و اقترن بذلك علم، كان عندنا حاصلا أيضا بغير قياس، اقترانا على التأليف الذي من شأنه أن يحدث بالذات علما ثالثا، علمنا أن زيدا حيوان. فيكون عن معرفة و عن علم اجتمعا حدث لنا علم. أما المعرفة منهما فهو ما كان من الحس، و أما العلم فما كان من العقل. و المعرفة حدثت[٣] في الحال، و أما العلم فقد كان قبلها. و الذي يحصل منهما فقد يجوز أن يكون قد كان لنا مطلوبا و طلبنا مبادئه الموصلة إليه، و يجوز أن يكون شيئا قد انسقنا إليه انسياقا لموافاة أسبابه عن غير طلب. و مع ذلك فيجب أن يتقدم تصور المطلوب و مبادئه على كل حال.
و قد يتفق ألا يكون هكذا: بل يكون الحكم على الكلي حاصلا عندنا بقياس، و الحكم على الجزئي حاصلا بقياس آخر. فإذا اجتمعا حصل العلم الثالث. و لكن و إن كان كذلك فإن[٤] القياسات الأولى تكون من مقدمات بينة بنفسها أو مكتسبة بالاستقراء و التجربة[٥] و الحس من غير قياس على ما نوضح[٦] بعد.
ثم إن لسائل أن يسأل أحدا فيقول: هل تعلم أن كل اثنين زوج؟ و معلوم أن جوابه إني أعلم ذلك. فيعود و يقول: هل الذي في يدي هو زوج أو فرد؟ و عدد الناس الذي بمدينة كذا زوج أو فرد؟ فإن أجيب بأنا لا نعلم ذلك، عاد فقال: فلستم تعرفون أن كل اثنين عدد زوج، فإن هذا الذي في يدي اثنان و لم تعرفوا أنه زوج. و قد قيل في التعليم[٧] إن قوما أجابوا عن هذا بجواب غير مستقيم فقالوا: نحن إنما نعرف أن كل اثنين عرفناه فهو زوج. و هذا الجواب فاسد:
[١] س عرفنا.
[٢] أي من غير دليل عقلي.
[٣] م، ب حديث.
[٤] س فبأن.
[٥] س أو التجربة.
[٦] س وضع.
[٧] س التعليم الأول.