الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٤
أما الشق الأول فقد عالجته فيما قمت به من مقارنة بين نص ابن سينا و نص أرسطو، حيث وضح وضوحا تاما أن مادة البرهان السينوى مستمدة فى جملتها من كتاب البرهان الأرسطي و شروحه، و إلى حد ما من كتب أرسطو المنطقية الأخرى و كتبه غير المنطقية. غير أن أخذ ابن سينا عن أرسطو يختلف درجة و نوعا؛ فهو أقوى فى المقالتين الثالثة و الرابعة حيث يلخص فى الأولى فصول المقالة الأولى الأرسطية، و يلخص فى الأخرى فصول المقالة الثانية؛ و يحاذى المعلم الأول خطوة خطوة، و يقتبس منه اقتباسا مباشرا أحيانا. و لكن هذا الأخذ أضعف فى المقالتين الأولى و الثانية حيث نهج فى تأليف فصولهما نهجا آخر.
و لما كان برهان ابن سينا- من ناحية مادته على الأقل- صورة عربية من صور برهان أرسطو، و نقلت هذه الصورة عن الأصل الأرسطي نقلا غير مباشر كما قلنا، لزم النظر فى الشق الثاني من مسألتنا، و وجب البحث فى المراحل التي مر بها البرهان الأرسطي فى طريق وصوله إلى الشيخ الرئيس؛ فإن الصلة التي تربط ابن سينا بمترجم أرسطو لا تقل فى نظرنا أهمية عن تلك التي تربطه بأرسطو نفسه: إذ عليه عول، و عنه أخذ أخذا مباشرا. بل ربما كان لترجمته أثر غير قليل فى فهم ابن سينا لمادة البرهان، و دقته أو عدم دقته فى فهمها و صياغتها.
و الذي نعرفه من المراجع التي بين أيدينا أن كتاب البرهان لأرسطو قد نقل إلى اللغة العربية على مرحلتين: نقله إلى السريانية إسحاق بن حنين- و كان أبوه قد سبقه إلى نقل الكتاب و لم يتمه- ثم نقل أبو بشر متى بن يونس المترجم النسطورى، ترجمة إسحاق إلى العربية على حد قول ابن النديم[١] و هذه هى الترجمة التي نشرها سنة ١٩٤٩ الدكتور عبد الرحمن بدوى فى المجلد الثاني من منطق أرسطو. و لكن البحث العلمى الحديث قد كشف عن ترجمة عربية أخرى لبرهان أرسطو لم يشر إليها صاحب الفهرست، و أشار إلى أجزاء باقية منها الدكتور مينو بالويلوmino paluello على ما ذكره الدكتور يتشارد فالتسرr .walzer فى مقال له عن الترجمات العربية لأرسطو[٢] و قال إن ابن رشد و معاصرا لاتينيا له هو جرارد الكريمونىgerard of cremona )المتوفى سنة ١١٨٧) قد أشارا إلى هذه الترجمة الأخرى المجهولة المؤلف[٣] و انتفعا بها.
[١] راجع الفهرست ص ٣٤٨.
[٢] راجع مجلةoriens المجلد السادس سنة ١٩٥٣ ص ٩١- ١٤٢.
[٣] يرجح الدكتور فالتسر أن مترجمها شخص اسمه مراياmaraya اعتمادا على إشارة إليه وردت فى أحد التعليقات على ترجمة أبى بشر (أنظر نشرة الدكتور بدوى ص ٣٧٩). و لكنه ترجيح بدون مرجح ظاهر حتى الآن، و لا يعدو أن يكون مجرد حدس و تخمين.