الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣٠٥
و كثير من الأمور الطبيعية ليس ترتيب عللها و معلولاتها على الاستقامة بل على الدور[١].
مثال ذلك في العلل المادية أن الأرض ابتلت من المطر فبخرت[٢] فحدث غيم[٣] فمطرت[٤] فابتلت من المطر. فإذن العلة الأولى لابتلالها[٥] من المطر هو ابتلالها من المطر. فإن قيل إن الأرض طين مبتلة من المطر[٦]، و كل طين مبتلة من المطر فإنها تبتل من المطر، كان برهانا دائرا و مع دوره صادقا لا بد منه، إلا أن بين حده الأوسط و الأكبر وسائط و مطالب للم:
لأنه يقال لم الأرض المبتلة من المطر تبتل من المطر؟ فيجاب لأنها تبخر. ثم يسأل مرة، و لم إذا بخرت ابتلت من المطر؟ قيل لأنه يحدث من ذلك سحاب. فيسأل: و لم عند حدوث السحاب تبتل من المطر؟ فيجاب لأن السحاب يبرد و يتكاثف و ينزل قطرا. فكل واحد من هذه الأمور علة و معلول، و أخذه[٧] حدا أوسط برهان و دليل معا. و لكن ليس العلة و المعلول فيها واحدة بالذات بل بالنوع: فليس الابتلال الذي كان عنه المطر هو الابتلال الذي كان عن ذلك المطر. فأما[٨] نوع الابتلال فواحد. و كذلك ليس البخار الذي كان عن[٩] السحاب هو البخار الذي كان عنه السحاب.
و على هذا القياس فإذا اعتبرت نوع المعنى كان البرهان دائرا، و إذا اعتبرت الشخص لم يكن البرهان دائرا و البرهان هاهنا ليس على النوع، بل على شيء متعين من النوع. فإذن ليس الذي[١٠] يبين به هو بعينه الذي يبين. فليس هناك عند التحقيق دور و إن أوهم دورا.
هذا و قد قلنا إن البرهان إما لأمور ضرورية و إما لأمور أكثرية. فالأمور الضرورية لا يلبس من حالها أن الواجب في براهينها أن توسط العلة[١١] الضرورية[١٢]. فأما الأمر الأكثري فالحد الأوسط في برهانه يكون علة أكثرية: مثل أن كل ذكر من الناس ففي الأكثر يغلظ ما يتحلل عنه و يكثف[١٣] جلدة ذقنه، و كل من يكون كذلك فإنه ينبت له على الأكثر لحية. فقد أعطى هذا البرهان علة لوجود الأمر، و لكن أكثرية، لأن وجود الأمر أكثري.
[١] قارن هذا الجزء بما ورد في التحليلات الثانية ك ٢ ف ١٢ الجزء الأخير.
[٢] أي الأرض. و معنى بخرت ارتفع بخارها كما تقول بخرت القدر.
[٣] س الغيم.
[٤] تقول مطرت السماء و أمطرت كما تقول نبت البقل و أنبت و الأول أفصح.
[٥] ساقط في س.
[٦] ساقط في س.
[٧] م واحدة.
[٨] س و أما.
[٩] م ساقطة.
[١٠] س ساقطة.
[١١] س العلل.
[١٢] م ساقطة.
[١٣] س و يتكثف.