الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٩٨
سئل فقيل لم يحدث الصوت في السحاب؟ فيجاب تارة فيقال لضرورة الانطفاء[١]، و يجاب تارة فيقال لتهديد أصحاب الهاوية على ما يقوله فيثاغورس في أمثاله[٢]. و ليست هذه الضرورة ضرورة قسر بل ضرورة طبع.
و في كثير من المواد لا يلزم عند حصول الاستعداد أن يحصل التمام، لأن تمام تلك المادة يحصل بحركة من علة محركة، و كل حركة تقع في زمان[٣] و في آخره ما ينتهي إلى الصورة. كذلك[٤] في الأمور الصناعية، فإنها لا يلزم فيها وجود الصورة أيضا لوجود العنصر وحده، لأن العنصر في كل موضع لا ينساق إلى الصورة إلا بعلة فاعلة. فإن كانت العلة الفاعلة غريبة و من خارج، فربما وردت على العنصر و ربما لم ترد. و إن كانت العلة طبيعية و موجودة في جوهر الشيء، و كانت مما يفعل بالتسخير و بالذات لأنها قوة طبيعية، لم يمكن[٥] ألا يصدر عنها فعلها إذا حدث الاستعداد التام و لاقته.
و اعلم أن من قبيل العلة التي هي مبدأ حركة ما[٦] ليس يجب من وضعه مع وضع القابل وضع المعلول، و منها ما يجب من وضعه مع وضع القابل وضع المعلول. فإن جميع القوى الطبيعية إذا لاقت المنفعلة وجب الفعل. و القوى الصناعية و الإرادية و الشوقية و ما أشبه ذلك، ليس يجب من اجتماعها مع القوة المنفعلة فعل و انفعال. و هذه العلل، و إن كان[٧] يخالطها ضرورة، فهي بفعل الغاية[٨] لا بالاتفاق[٩].
و اعلم أنه كلما وضع المعلول بالفعل فقد وضعت الأسباب كلها. لكن الغاية ربما كانت- من حيث هي في الأعيان- موجودة بالقوة كالاضطجاع مع وجود الفراش.
[١] يريد انطفاء النار في السحاب، و قد كان ذلك معتبرا العلة الطبيعية الضرورية لحدوث الرعد.
[٢] في نص أكسفورد" أو إنذارا لإلقاء الرعب في قلوب أولئك الذين يسكنون طارطاروس فيما زعم الفيثاغوريون".
[٣] س لا تقع إلا في زمان.
[٤] س و كذلك الحال.
[٥] س لم يكن.
[٦] ما هنا اسم موصول و هي اسم إن في قوله إن من قبيل العلة إلخ.
[٧] س كان قد.
[٨] س تفعل لغاية.
[٩] يعني أن الأفعال الصناعية و الإرادية- كالأفعال الإنسانية و ما يشبهها هي أفعال غائية على الرغم من أنها ضرورية.