الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٩٣
وضع الشيء إلا وضع حده، و لا حمل الشيء إلا حمل حده. و لكن أمثال هذا إنما تكون قياسات على قوم بله إذا ذكر لهم الأصغر وحده[١] لم يحضرهم معناه، و إذا ذكر الأوسط و كان حدا للأصغر، ثم ذكر الأكبر، فهموا بالأوسط الأصغر و تصوروه ثم قبلوا حمل الأكبر عليه- لا أن الأوسط توسط في التصديق، بل لأن الموضوع لم يكن مفهوما، فكيف كان يحكم بحمل شيء عليه؟. فلما فهم صدق ما يجب تصديقه له. فيكون الأوسط إنما يقع في التصور بالذات، و أما في التصديق فبالعرض. و كذلك إن كان الحد للمحمول: فإنه لو كان الموضوع مفهوما و المحمول مفهوما، كل بحده، لما احتيج إلى أن يوسط الحد حدا أوسط: فإنه إن كان الحمل بينا على الحد فإنه يكون بينا على المحدود، و إن لم يكن على الحد بينا[٢] لم ينفع توسيط الحد[٣]. فإن كان أحدهما، و ليكن الأصغر مثلا، مفهوما، لا من حيث حده، و وسط حده و هو لا يشعر أنه حد، فلا يكون الانتفاع بتوسيط الحد من حيث هو حد أيضا، بل يكون ذلك مثل حال من يتصور الإنسان لا من حده، بل من أنه ضحاك منتصب القامة، ثم يوسط الحيوان الناطق، فيجد حمل التمييز على الحيوان الناطق ظاهرا. و إنما وسط ليبرهن[٤] وجوده على الضحاك المنتصب القامة. فإن كان المبرهن عليه يجعل لفظ الإنسان موضوعا لكونه ضحاكا منتصب القامة، فيكون حده لا الحيوان الناطق، فيكون قد جعل الإنسان اسما لغير الحيوان الناطق، فصار حينئذ الحيوان الناطق لازما و رسما للضحاك المنتصب القامة، لا حدا له كما عرفت في غير هذا المكان. فإنك إذا سميت الشيء من حيث ما هو ضحاك منتصب القامة إنسانا، كان هذا الاسم حده أنه ضحاك منتصب القامة و لا مناقشة في الأسماء. فهاهنا لا يكون الأوسط حدا للأصغر. و أما إن لم يجعل الضحاك[٥] المنتصب القامة بإزاء الاسم، بل لمعنى[٦] هو لاحق لشيء آخر ليس يتعرض له[٧]، فإن علم منه أنه ضحاك منتصب القامة و كان مجهولا له أنه حيوان ناطق، فلا يكون هذا[٨] معلوما أنه محمول عليه حتى يعلم أن الأوسط محمول على الأصغر فتلزم النتيجة. و إن كان ظاهرا أن هذه الذات هي[٩] الحيوان الناطق فلم يكن مجهولا مائيته[١٠]، و إذا لم يكن مجهولا مائيته عاد إلى الوجه الأول فكان الطلب للإنسان و الحيوان الناطق واحدا[١١]. و إن كان معلوما أنه موجود لتلك الذات و مجهولا أنه
[١] م حده بدون الواو.
[٢] م ساقط. و المراد بالحد التعريف.
[٣] م ساقط. و المراد بالحد التعريف.
[٤] م مبرهن.
[٥] م الضحك.
[٦] م بمعنى.
[٧] س لذلك الآخر.
[٨] س ساقطة.
[٩] م، ب هو.
[١٠] ب غير منقوطة. م ما بينه.
[١١] م واحد.