الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٩٠
و وضع المحدود، اجتمع فيه ثلاثة أشياء: أعني المحدود، و حدا[١] يعطي العلة، و كماله في إعطاء العلة و هو ذكر المعلول. و هذه الأشياء الثلاثة[٢] ينعكس بعضها على بعض، و إلا لما كان محدود و حد و كمال للحد[٣]: لأن المحدود و الحد متساويان، و كمال الحد هو معلول الحد[٤] الذي يوجد عنه فقط، و يوجد لجميع المحدود، و هو أيضا مساو للأولين. و هذه الأمور الثلاثة موضوعة لأن يكون منها برهان ينتج كمال الحد لموضوع ما بقياسين.
إلا أن الأمر في وضع حدود البرهان بالعكس من وضع أجزاء الحد[٥]. مثال هذا: ليكن الغيم هو الموضوع للحدود الثلاثة، و ليكن هذا الحد الذي هو العلة هو طفوء النار في الغيم. و ليكن كماله هو حدوث صوت، فنقول: إن الغيم رطوبة قد طفئت فيها نار، و كل رطوبة طفئت فيها نار يحدث[٦] فيها صوت، فالغيم يحدث فيه صوت، و كل صوت يحدث في الغيم فهو رعد، فالغيم يحدث فيه رعد[٧]. فقد صارت هذه الأمور الثلاثة أجزاء برهانين[٨] مرتين أصغر حدودهما موضوع الأمور الثلاثة و هو الغيم. فكان طفوء النار أول مذكور من هذه الثلاثة، ثم حدوث الصوت. و كان حدوث الصوت يثبت في نتيجة البرهان الأول و طفوء النار لا يثبت، بل هو مبدأ برهان لا نتيجة. و المحدود- و هو الرعد- هو آخر مذكور من هذه الثلاثة في البرهان الثاني و مذكور في النتيجة الثانية.
فإذا رددت هذه الحدود إلى تأليف حدي عكست فذكرت أول شيء الرعد، ثم الصوت الحادث في الغمام، ثم طفوء النار في الغمام: فقلت إن الرعد صوت حادث في الغمام لطفوء النار فيه.
[١] م و حد.
[٢] م، ب الثلاثة أشياء.
[٣] س الحد. و يلاحظ أن" كان" في قوله و إلا لما كان محدود إلخ تامة بمعنى وجد.
[٤] كمال الحد هو الذي يسمى نتيجة برهان و هو جزء من جزئي الحد و معلول لجزئه الآخر، مثل زوال ضوء القمر في تعريف الكسوف بأنه زوال ضوء القمر لتوسط الأرض بينه و بين الشمس. فالجزء الأول هو كمال الحد، و هو معلول للجزء الثاني، و من مجموعهما يتألف الحد الكامل.
[٥] المراد بالوضع هنا الترتيب. و المقصود أن ما كان مقدما في البرهان (الذي هو الحد الأوسط و مبدأ البرهان) يتكون منه الجزء الثاني من الحد مثل توسط الأرض في المثال السابق، و ما كان مؤخرا (و هو الحد الأكبر) يتكون منه الجزء الأول من الحد مثل زوال ضوء القمر في المثال نفسه.
[٦] س فإنها يحدث.
[٧] س صوت و هو خطأ.
[٨] س براهين. و لكنهما برهانان فقط.