الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٨٩
و كذلك دلالته على الوجود. و هذا الحد المقول بحسب الاسم إذا لم يوافق معنى الوجود، كان اتحاد أجزائه شيئا معتبرا[١] من وجه. فإذا[٢] كان بحسب الذات كان اتحاد أجزائه معتبرا[٣] من وجه آخر: و ذلك لأن[٤] القول إنما يكون واحدا[٥] على أحد وجهين: إما لأنه متصل الأجزاء بالأربطة الجامعة كما مضى منا ذكره فيما سلف مثل قصيدة[٦] أو كتاب فما دونه. و إما لأن أجزاءه تصير شيئا واحدا في النفس يدل على شيء واحد في الوجود[٧]. و الحد الذي يكون بحسب الاسم فيشبه أن يكون اتحاد أجزائه- ما دام ليس مطابقا لموجود واحد- اتحادا بالأربطة، إلا أن يؤخذ بالقياس إلى خيال واحد في النفس. و إلى هذا القسم و الوجه ذهب قوم. فكأنه غير مستمر في جميع الحدود التي هي بمعنى شروح الاسم. فإنه إذا كان المعنى محالا لا خيال له في النفس البتة، فكيف يكون خياله وجدانيا؟ و إن كان محالا و له خيال في النفس ذو أجزاء لا تجتمع في الطبع، فكيف يكون ذلك الخيال واحدا؟ مثل تخيلنا إنسانا[٨] يطير.
فإن كان هذا الخيال واحدا، فعساه أن يكون واحدا بجهة غير الجهة التي بها تكون [١١٦ ا] المعاني العقلية و الخيالات الصحيحة واحدة. فإن" الواحد" يقال[٩] على وجوه كثيرة، و نحن لا نذهب إلى هذا المعنى في قولنا معنى واحد و شيء واحد، بل نشير[١٠] إلى اتحاد طبيعي جوهري.
هذا، و أما الحد الكائن بحسب الذات فهو متحد الأجزاء بالحقيقة لأنه لخيال أو لمعنى أو لموجود[١١] واحد بالحقيقة بوحدة طبيعية. و هذا وجه مما يقال عليه الحد.
و يقال" حد" بوجه آخر لما يعطي علة[١٢] وجود معنى المحدود و يؤخذ بعينه في البرهان حدا أوسط فيكون مبدأ للبرهان[١٣]. و إذا أخذ هذا الحد و ضم إليه كماله- و هو إضافته إلى المعلول-
[١] م معبرا.
[٢] س و إذا.
[٣] م معبرا.
[٤] س أن.
[٥] المراد بالقول الكلام المفيد المؤلف من أجزاء، و بالأربطة الجامعة الأربطة اللغوية التي تجمع أجزاء القول.
[٦] س قصيدة ما. يقول" أرسطو" مثل الإلياذة.
[٧] لا أدري من أين أتى ابن سينا بهذا. أما الوارد في منطق أرسطو فهو" و إما أن يحمل فيه (أي في القول) محمول واحد على موضوع لا بالعرض".
[٨] م، ب إنسان.
[٩] م الواحدة تقال.
[١٠] م، ب نسير بالسين.
[١١] س لوجود.
[١٢] م عليه.
[١٣] مثل توسط الأرض بين القمر و الشمس، فإنه مبدأ برهان على كسوف القمر، و في الوقت نفسه جزء من حد الكسوف.