الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٨٧
وسطى هي علل منعكسة على الحدود الكبرى، بل و على الصغرى، فأمر باطل. و إنما غرهم قلة العناية و النظر، و فصل من كلام المعلم الأول لم يستقصوه حق الاستقصاء، و سنصير إليه عن قريب، و نبين أن العلل قد تكون أخص من المعلولات في كثير من الأشياء و لا تنعكس عليها، إلا أنا نشتغل هاهنا بما هو غرضنا فنقول:
إن المعلم الأول دل على أن البراهين[١] ذوات العلل تعطى بوجه ما تنبيها على الحدود، و ذلك في الأشياء التي هي عارضة لشيء و في شيء لعلة[٢] من جنس العلل المأخوذة في الحدود.
و أما ما لا علة له في وجود ذاته مطلقا، أو لشيء: لأنه غير عارض في شيء، أو عارض أول[٣] بلا علة- و من جنسه مبادئ العلوم[٤]- فإنه قد يصدق به من غير قياس يعطي هلية البتة. بل هليتها واضحة. و مع ذلك فقد يكتسب لها حد.
و أيضا كثير من المعاني يوضع في العلوم وضعا، مثل الوحدة في علم العدد، فلا يقاس بالبرهان على وجوده[٥]، بل يوضع وضعا، و ربما أقنع فيه بكلام جدلي أو استقراء إقناعا غريبا ليس من شرط التعليم، و لكن ذلك لا يتعذر تحديده.
فإذن ليس كل حد إنما يتوقع فيه أن يصار إليه من البرهان، بل كثيرا ما يحد الشيء أولا فيقتنص من حده البرهان على عوارضه، و خصوصا من حدود البرهان الذاتية و الحدود التي فيها شيء علة و شيء آخر معلول، مثل قولنا إن الرعد صوت يحدث في الغمام لطفوء النار فيه. و طفوء النار علة و الصوت معلول، و مجموعهما- لا أحدهما وحده- هو الحد التام: فإنه و إن كان طفوء النار علة فاعلة للصوت، و الصوت معلول له، فالصوت علة للرعد على سبيل العلل الصورية. و الحد بجملته علة صورية للمحدود، و إن كان بعض أجزائه علة لبعض. و إذا كان الحد بالجملة علة صورية للمحدود فكل جزء منه هو علة لا محالة. و إنما يكون البرهان مفيدا للحد إذا كان فيه جزء هو علة و جزء هو معلول على نحو ما قلنا.
[١] م البرهان.
[٢] م العلة.
[٣] س" بلا علة من جنسه مبادئ العلوم" و هو خلط.
[٤] س" بلا علة من جنسه مبادئ العلوم" و هو خلط.
[٥] أي فلا يبرهن على وجوده. م تقرأ وجوه.