الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٦٤
و لكن من الناس من ظن أن هذا منعكس، و أنه ليس في البراهين شيء هو بحث اللم إلا و هو بحث الما بالقوة، و لا بحث الما إلا و هو بحث اللم. و تعدى هذا إلى أن ظن أن الأوسط في البراهين هي الحدود. و كل ذلك أمر باطل. فإنه ليس كل بحث عن ما هو[١] عن الأوسط[٢]. و أيضا ليس البحث عما هو الأوسط هو البحث عن مائية أحد الحدين الآخرين حتى يكون الجواب به حدا. و لا كل ما هو علة موجبة فهو حد أو جنس أو فصل أو مادة أو[٣] صورة: فإن العلل الموجبة لأمور لا في أنفسها و لا هي بوجه ما نفس الواجب- لا صورة و لا مادة[٤].
و كثيرا ما نجد بين الأوساط في البراهين ما ليس مادة و لا صورة و لا حدا، بل نجده[٥] شيئا موجبا لشيء[٦] في شيء: فإن الجنس المتوسط يوجب وجود الجنس الأعلى في نوع[٧] الآخر، بل و في كل ما يحمل عليه الجنس المتوسط- و إن لم يكن على أن ذلك الشيء نوع الجنس المتوسط- إيجاب[٨] العلة، و ليس هو حدا للأكبر و لا صورة و لا مادة. و لا أيضا يوجب إيجاب غير علة كما علمت أو ستعلم.
و كثير من الخواص هو علة لكثير من الخواص، و هي خارجة عنها ليست بجنس لها و لا فصل و لا حد. فإن كون المثلث بحيث يكون خطه الخارج عنه على صفة مذكورة، يوجب كون زواياه مساوية لقائمتين من غير أن يكون خطه- بتلك الصفة- جنسا و لا فصلا داخلا في الذات لكون[٩] زواياه مساوية لقائمتين، و لا مادة و لا صورة.
و كذلك كثير من الأوساط البرهانية ليست حدودا و لا عللا داخلة في جوهر الشيء، بل عللا فاعلة و موجبة. و هكذا حكم قيام الأرض في الوسط للكسوف. و هكذا مماسة النار فإنها قد تجعل حدا أوسط[١٠] في إثبات احتراق[١١] الخشبة. و إن كان قد يجوز أن تجعل هذه العلل الموجبة فصولا من جهة- على أنها أجزاء فصول لا تحمل، بل تحمل الفصول المعمولة منها. كما أن القدوم لا يقال إنه حديد، بل من حديد، و لا يقال إن الحمى عفونة، بل من عفونة.
[١] أي عن الماهية.
[٢] أي يكون بحثا عن الوسط. س تقرأ عن ما هو هو عن الوسط.
[٣] س و.
[٤] كعلة كسوف القمر فإنها ليست صورة القمر و لا مادته.
[٥] م يحده.
[٦] م للشيء.
[٧] ب- النوع.
[٨] أي يوجب إيجاب العلة بدليل قوله بعد ذلك و لا أيضا يوجب إيجاب غير علة.
[٩] م، ب كون.
[١٠] س وسطا.
[١١] ب إحراق.