الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٥٠
و إن كنا قد نستقرئ من تكرار المحسوسات الجزئيات[١] أمورا كلية- لا لأن الحس أدركها و نالها- و لكن لأن العقل من شأنه أن يقتنص من الجزئيات المتكررة[٢] كليا مجردا معقولا لم يكن الحس أدركه، و لكن أدرك جزئياته فاختلق العقل من الجزئيات معنى معقولا لا سبيل إليه للحس، بل يناله بإشراق فيض إلهي عليه[٣].
و أيضا فإنا[٤] كثيرا ما نتوصل بالحس إلى مقدمات كلية- لا لأن الحس يدركها- بل لأن العقل يصطادها على سبيل التجربة، و على ما أوضحناه نحن من قبل حيث[٥] بينا ما التجربة.
و لما كان الحس قاصرا في كثير منها عن الإدراك المستقصى، صار يوقعنا ذلك في عناء و بحث عن حال ذلك المحسوس نفسه بقوة غير الحس و هي العقل بالفعل[٦] مثل حال الزجاجة و الجسم الملون الذي وراءها، فإن الجسم الملون الذي وراءها يرى من غير أن تحجب القارورة دون ذلك حجب كثيرة من الأجسام الأخرى. فقوم يقولون إن السبب في شف الزجاجة أن كل ما لا لون له فهو شاف[٧] مؤد للون الذي وراءه. و قوم يرون أن سبب ذلك استقامة المسام و الثقب التي في الزجاجة فينفذ فيها الشعاع الخارج من البصر و يجوزها إلى أن يلاقي المبصر. قيل في التعليم الأول: فلو كان الحس مما يمكنه بنفسه إدراك الثقب لكان العقل سيجد سبيلا إلى أن يحكم بأن السبب فيه الثقب، و أن الإبصار كائن بنفوذ البصر في تلك الثقب، و لكان يميل إلى المذهب المائل إليه، و إن كان بعده البحث باقيا أنه: هل فيها هواء أو خلاء[٨]، و إن كان فيها هواء فهل الهواء في تلك الثقب يؤدي اللون، أو الشعاع ينفذ إليه فيه؟. و بالجملة لو كان الإبصار بنفوذ [١١٢ ا] شيء في الثقب، و كان الحس مع ذلك يميز ذلك و يدركه، لكان العقل يجد سبيلا إلى أن يحكم في الإبصار بأن السبب فيه اتصال بين البصر و المبصر بواسطة شعاعية، لا نفس شفيف الزجاجة من حيث لا لون لها، و كان حينئذ يكون ذلك العلم حاصلا بالحس، لا أن[٩] الحس حصله، لكن لأن العقل اتخذ الحس مبدأ للتجربة.
[١] س ساقطة.
[٢] س المتكثرة و المتكررة أصوب.
[٣] هذا الفيض الإلهي الإشراقي لا وجود له في أرسطو، و هو أدنى إلى نظرية أفلاطون في المثل.
[٤] س فإن.
[٥] س و حيث.
[٦] م، ب بالعقل.
[٧] شفاف.
[٨] س خلاء أو هواء. ب هواء و خلاء.
[٩] م لأن- و هذا عكس المطلوب.