الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٢٥
و الذين يقيسون: إما على الظن- و هم الخطابيون- أو على الرأي المشهور- و هم الجدليون- فليس يجب أن ينتهي تحليل قياسهم إلى مقدمات غير ذوات[١] وسط في الحقيقة. بل إذا انتهت إلى المشهورات التي يراها الجمهور، أو المقبولات التي يراها فريق، كان القياس قياسا في بابه، و إن كانت المقدمات الأولى ليست ذوات وسط، بل لها وسط ما[٢] مثل أن العدل جميل و الظلم قبيح، فإنه مأخوذ في الجدل على أنه لا وسط له. و في العلوم يطلب لذلك وسط. و ربما طلب أيضا في الجدل على نحو ما يخاطب به سقراط تراسوماخوس.
و ربما كان المشهور[٣] لا وسط له- لا لأنه بين بنفسه و في[٤] حقيقته- بل لأنه كاذب مثل أن اللذة خير و سعادة.
فتحليل القياسات الجدلية يجب أن يكون إلى المشهورات، و تحليل البرهانية يجب أن يكون إلى البرهانيات.
و يجب أن نبتدئ الآن فنبين[٥] أن هذه الأوساط[٦] متناهية بعد أن نعاود مرة أخرى حال ما بالذات و ما بالعرض من المحمولات. فنقول:
يقال من وجه للمحمول إنه محمول بالحقيقة لا بالعرض إذا كان الموضوع مستحقا لأن يوضع بذاته محصل الذات ليحمل عليه ما يحمل، فوضع و حمل عليه محمول ما أي حمل كان، مثل قولنا الإنسان أبيض: فإن الإنسان جوهر قائم بذاته غير محتاج إلى حامل يحمله. ثم البياض قائم فيه و محتاج إلى حامل له مثله. فإذا جعل الإنسان موضوعا و الأبيض محمولا فقد حمل حمل[٧] مستقيم فهو حمل حقيقي لا بالعرض. و بإزاء هذا القسم حمل ما بالعرض، و هذا إما أن[٨] يقلب ما من شأنه أن يكون محمولا في طباعه فيوضع لما من شأنه أن يكون موضوعا في طباعه. فيقال أبيض ما إنسان، فيكون بالحقيقة قد أخذ الموضوع مرتين بالقوة. و ذلك لأن الأبيض من جهة ما هو
[١] س: ذات.
[٢] س: و إن كانت المقدمات الأولى فيها ليست غير ذات وسط في أنفسها، بل لها وسط في اعتبار التحقيق مثل إلخ.
[٣] أي القضايا المشهورة.
[٤] س في بدون الواو.
[٥] س: و نبين.
[٦] س+: و ما هي لها أوساط.
[٧] س: عليه.
[٨] م: إنما.