الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢١١
و سنوضح بعد[١] أنه كيف يمكن ذلك بقياس و كيف لا يمكن. أما أنه لم هو بهذا الشكل فلأن الحد موجب كلي، و الشكل الثاني لا ينتج موجبا، و الشكل الثالث لا ينتج كليا.
و الوجه الثالث فهو[٢] أن الشكل الأول قياس كامل بين القياسية بنفسه. و الشكلان الآخران إنما يبين أنهما قياسان بالرد إليه- إما بعكس و إما بافتراض. و الخلف أيضا فإنه يرد إليه بوجوه[٣]. فإذا رد إليه صار إلى المقدمات الأولى التي لا وسط لها و إلى الترتيب الأول القياسي الذي لا وسط له: فاجتمع عدم الوسط في الوجهين جميعا.
و هاهنا وجوه من الفضيلة للشكل الأول: من ذلك أن تحليل القياسات إلى المقدمات الأولية لا يمكن بغيره: لأنه لا بد في كل قياس من موجبة و كلية، و الموجبة لا تنحل[٤] إلى مقدماتها[٥] التي أنتجتها بالشكل الثاني[٦]. و الكلية لا تنحل إليها بالشكل الثالث.
و وجه آخر أن المطالب البرهانية يراد فيها تقصي العلم و معرفة ما للشيء بالذات[٧] و ذلك بالكلي الموجب. فأما الجزئي فليس به علم مستقصى: لأن قولك بعض ج ب مجهول أنه أي بعض هو. فإذا عينته و عرفته و كان مثلا" البعض الذي هو د" عاد إلى الكلية فصار كل د ب.
أما السالب فإنه يعرف من الشيء ما ليس له، و هذا أمر غير ذاتي و بغير نهاية، إلا أن يومأ في ضمن السلب إلى معنى ليس ساذج السلب[٨] فتكون قوته قوة الموجبة المعدولية[٩]. و يكاد يكون أكثر السوالب البرهانية على هذه الصفة كبرهان المعلم الأول على أن الفلك لا ضد له.
فإذن النظر المستقصى الذاتي[١٠] هو الموجب الكلي، و هو مما لا ينال إلا بالشكل الأول.
[١] س و نحن سنوضح من بعد.
[٢] س هو.
[٣] س بوجه ما.
[٤] س تحل.
[٥] س مقدماته.
[٦] قوله بالشكل الثاني متعلق بقوله تحل لا بقوله أنتجتها.
[٧] المراد بتقصي العلم المعرفة الكاملة، و ما للشيء بالذات ماهية الشيء أو حقيقته.
[٨] أي ليس السلب البسيط.
[٩] أي معدولة المحمول كقولنا كل ا هي لا- ب.
[١٠] م، ب الذاتي المستقصى. و قوله النظر المستقصى الذاتي هو إلخ فيه تجوز في التعبير و المراد النظر هو في المستقصى الذاتي.