الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٩٤
فالمبادئ مسائل هندسية، أي مسائل نافعة في الهندسة. و المطالب مسائل هندسية، أي مسائل من الهندسة. و ليس كونهما مسائل هندسية بنوع واحد، و إن كانا من حيث هما نافعان في مطالب أخرى من الهندسة لا يختلفان. و إذا حققت اعتبار معنى المسألة، فلا يجوز أن يكون المبدأ مسألة من[١] العلم الذي هو مبدأ فيه، لأن المسألة في علم ما جزء من ذلك العلم تكتسب بمبادئه.
و المسائل متميزة عن المبادئ. و ليس أحد من أصحاب العلوم يمكنه أن يبين مبادئه من جهة ما هو صاحب علمه. فالمهندس من جهة ما هو مهندس لا يمكنه إثبات مبادئه. و المناظري من جهة ما هو مناظري كذلك. فإن تكلف المناظري ذلك في مبادئه فقد صار هندسيا. و من جهة الهندسة ما يبين مبادئه. و إن تكلف المهندس ذلك في مبادئه، فقد صار فيلسوفا. و من جهة ما هو فيلسوف ما يبين مبادئه.
و مبادئ جميع العلوم تبين في علم ما بعد الطبيعة. و كما[٢] أنه ليس لأحد من أصحاب العلوم أن يبين مبادئه، فكذلك لا كلام له مع من يناقض مبادئه، و لا كلام له مع من لا يبني[٣] على مبادئه. و لا أيضا يلزمه أن يجيب عن كل مسألة، بل إنما يلزمه إن كان مهندسا أن يجيب عن المسألة الهندسية.
و على[٤] صاحب علم ما أن يعرف عما ذا يجيب، و على السائل أن يعرف عما ذا يسأل. فإذا كان السائل إنما يخاطب المهندس في أمور هندسية مبنية على مبادئ الهندسة فهو مصيب، و إلا فليس بمصيب. و لا أيضا مطلوبه ينكشف في الهندسة بالذات، بل عسى بالعرض، و كذلك المجيب المهندس. فلا[٥] كلام له مع من ليس بمهندس فإن كلامهما فضل[٦] و يجري مجرى رديء المأخذ.
ثم إن المسألة التي ليست علمية- أي ليست مثلا هندسية- على وجهين: أحدهما أن تكون بالجملة خارجة عن ذلك العلم، و الآخر أن تكون بوجه داخلة فيه. مثلا لو أن إنسانا سأل في الهندسة عن الأضداد هل علمها واحد، فقد سأل مسألة من حق الفلسفة الأولى. أو عن
[١] س ساقطة.
[٢] س كما بدون الواو.
[٣] غير منقوطة في ب و منقوطة يثني في م.
[٤] س و لا على.
[٥] س لا.
[٦] أي من فضول القول.