الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٧٩
البرهان اللمي مطلقا، بل أعطى أن ذلك متشابه ما دامت المادة موجودة و تلك الطبيعة موجودة.
و العلم الأعلى أعطى البرهان اللمي الدائم مطلقا، و أعطى علة دوام المادة و الطبيعة التي لا ضد لها فيدوم مقتضاها.
و كذلك العلم الطبيعي يعطي العلة في كون الأرض[١] غير كرية بالتحقيق، و وقوع الماء في قعور منها حتى ينكشف أديمها في بعض النواحي. فيكون سبب ذلك في العلم الطبيعي أن الماء بالطبع سيال إلى القعور و الأرض يابسة لا تتشكل بذاتها، بل تحفظ الأشكال الاتفاقية. فإذا[٢] اتفق لأجزائها كون و فساد بقي مكان الفاسد قعرا و وهدة، و لم يجتمع لأجله الباقي على الشكل الكري، و بقي مكان الكائن ربوة. و كذلك الحال عند اتفاق سائر الأسباب التي توجب نقل جزء منها عن موضعه. و أما الماء و الهواء و غير ذلك فكل يجتمع على شكله إذا زيد عليه أو نقص منه. و ذلك الشكل هو الشكل البسيط الكري الذي لا يجوز غيره أن يكون مقتضى طبيعة البسيط.
و أما في الفلسفة الأولى فتكون العلة لهذا مثلا من جهة الغاية: و هو أن تستقر الكائنات على مواضعها الطبيعية. و الحال في البرهانين ما قلناه.
فهذا ما هو على الأكثر من حال معونة الأعلى في اللم[٣]. و أما في الأقل فربما أخذ العلم الأعلى مبادئ اللم من العلم الأسفل بعد ألا تكون تلك المبادئ متوقفة في الصحة على صحة مبادئ إنما تبين في العلم الأعلى، أو تكون تبين بمبادئ من العلم الأعلى، لكن إنما تبين بها ثانيا من العلم الأعلى مسائل ليست مبادئ لها و للجزء الذي فيه من هذا العلم الأسفل. بل كما أن بعض مسائل علم واحد تكون مبادئ بالقياس إلى بعض مسائل منه بواسطة مسائل منه هي أقرب إلى المبادئ منها، فلا[٤] يبعد أن تكون مسائل علم ما تتبين بمبادئ من علم آخر، ثم تصير تلك المسائل مبادئ لمسائل أخرى من ذلك العلم الآخر بلا دور. فيكون هذا حال مسائل تتبين في علم أسفل بمبادئ من علم أعلى، ثم تبين[٥] بها مسائل ما من علم أعلى. و إما أن تكون هذه المبادئ المأخوذة
[١] أظن أنه يقصد اليابس لا الكرة الأرضية.
[٢] س، ب: و إذا.
[٣] س: الكم و هو خطأ.
[٤] س: و لا.
[٥] س يتبين.