الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٧٣
و على ما سلف لك[١] منا شرحه، فإذن إنما صار الكسوف الواقع في وقت كذا غير كثير، لا لأن معناه إذا تصور منع أن تقع فيه شركة، بل اتفق لفقدان أمور أخرى[٢] من خارج و لاستحالتها: إذ ليست الشمس إلا واحدة، و القمر إلا واحدا، و العالم إلا واحدا، و عرض للكسوف ما عرض للقمر نفسه على ما سلف منا الكلام فيه. و أما كسوف ما معين مشار إليه في وقت ما معين، فإنما يتناوله البرهان بالعرض كما يتناول سائر الفاسدات. و ليس يقوم البرهان على كسوف ما من جهة ما هو كسوف ما، بل من جهة ما هو كسوف على الإطلاق يشاركه فيه كل كسوف عددي كان و تكرر، أو جوز الوهم وجوده معه[٣] و لقائل أن يقول إن الحاجة إلى كون مقدمات[٤] البرهان كلية لا تتبين إلا ببيان أن الفاسد لا يبقى به يقين، فكيف صار القوم يثبتون[٥] أن الفاسد لا برهان عليه[٦] لأن مقدمات البرهان كلية؟
فالجواب أن الغرض[٧] ليس ذلك، و لكن معنى القول هو أنه لما كان الحكم إذا أخذ مقولا على الموضوع و ليس دائما في كل واحد منه، حتى لم يكن كليا بحسب الكلي في البرهان، أعرض الحكم للشك و الانتقاض[٨] إذ كان[٩] يتغير في البعض من الأعداد[١٠]، و المتغير لا يقين به إذا أخذ مطلقا. كذلك حال الجزئي المتغير إذا كان الحكم مقولا على الموضوع و ليس دائما في كل وقت له، فيعرض للشك و الانتقاض إذ كان يتغير في البعض من الأزمنة، و المتغير لا يقين به: فكأنه يقول: السبب الذي أوقع في الأمور العامية حاجة إلى أن تكون مقدمات البراهين عليها كلية، و إلا منع اليقين، موجود بعينه في الحكم على الشخصيات، و ذلك هو التغير و عدم الدوام، فيكون الكلي موردا للبينة[١١] على العلة، لا لأن يكون نفس مقدمة بيان.
[١] س منا لك.
[٢] أي لعدم توافر أسباب أخرى.
[٣] خلاصة كلامه أن البرهان لا يقع إلا على الطبيعة الكلية، و الحد لا يكون إلا للطبيعة الكلية لا للأمور الجزئية المشخصة. و في المثال الذي ذكره لا يبرهن على كسوف للشمس أو للقمر بعينه، بل على الكسوف على الإطلاق، و هو زوال النور لتوسط حائل: و هذا معنى كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه على كثيرين، و إن كان في الواقع لا يقع إلا في حالة الشمس أو القمر.
[٤] م المقدمات.
[٥] م ينسبون.
[٦] س، م+ و لا يثبتونه.
[٧] م: العرض.
[٨] س و للانتقاص.
[٩] س إذا كان.
[١٠] أي البعض من حالات وروده.
[١١] يمكن أن تقرأ أيضا للتنبيه.