الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٥١
فتبين من هذا أن الذين يقتصرون في أخذ المبادئ على أن تكون صادقة في نفسها، أو مقبولة:
أي معترفا[١] بها عند قوم أو إمام، أو مشهورة: أي يعترف بها كافة الناس و تراها، من غير أن تكون أولية الصدق- و ربما كانت غير صادقة كما نعرفه في" كتاب[٢] الجدل"، فقد يضلون السبيل: فإن استعمال المقبولات و المشهورات و أمثالها في طلب اليقين مغالطة أو غلط و بلاهة:
إذ يمكن أن تكون كاذبة. و أما الصادقات فإذا لم تكن مناسبة للجنس الذي فيه النظر، و كانت خارجية غريبة، لا تبين شيئا من الجهة التي بمثلها يقع اليقين العلمي[٣] و إن كان يقع بها يقين ما لأنها لا تدل على العلل: إذ العلل مناسبة للشيء. و إنما تعطي صدق النتيجة فقط[٤]، لا ضرورة صدقها أو[٥] لمية صدقها.
و ليس كل حق مناسبا[٦] و خصوصا إذا لم يكن ضروريا: فإنه إذا كان الأوسط غير ذاتي و غير ضروري للأصغر، فلا يخلو إما أن يكون الأكبر ضروريا أو[٧] غير ضروري. فإن لم يكن ضروريا[٨] كان اليقين بنسبته إلى الأصغر غير ثابت، فلم يكن يقينا محضا، إلا أن يكون البرهان عليه من جهة ما هو ممكن، لا من جهة ما هو موجود بالضرورة. و إن كان ضروريا فإنما هو ضروري في نفسه ليس ضروريا عند القياس عليه، لأنه يمكن أن يزول الحد الأوسط عن الأصغر لأنه غير ضروري له. فحينئذ لا يبقى الشيء الذي كان علم بتوسطه فيزول حينئذ الظن و الشيء موجود في نفسه. فإنا[٩] إذا علمنا أن هذا الإنسان حيوان لأنه يمشي و كل ماش حيوان، فإذا لم يمش بطل عنا العلم الذي اكتسب بتوسط المشي، فلم ندر حينئذ أنه حيوان أو ليس بحيوان. و الأمر في نفسه باق.
فإن قال قائل[١٠] إن هذا اليقين لا يزول و إن زال الحد الأوسط: لأن قولنا كل ماش حيوان معناه كل شيء موصوف بأنه ماش وقتا ما فهو حيوان[١١] دائما- ما دام ذاته الموضوعة للمشي موجودة- فإن كل شيء موصوف بأنه ماش فهو حيوان[١٢] يقينا و إن لم يمش- على ما علم في" كتاب
[١] م، ب، س معترف.
[٢] س باب.
[٣] ب العلي.
[٤] س فقد.
[٥] س و لا.
[٦] أي مناسبا للنتيجة المطلوبة: و معنى مناسب للنتيجة أن يكون المحمول صادقا على جنس بعينه. قارن ٧١ ب ٢٣، ٧٤ ب ٢٥، ٧٥ ب ٣٥ من أرسطو.
[٧] م ساقط.
[٨] م ساقط.
[٩] م فأما.
[١٠] ب ساقطة.
[١١] س ساقط.
[١٢] س ساقط.