الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٤٤
الفصل الرابع[١]
قيل في التعليم الأول إنا ربما أعطينا الكلي الأولي[٢] و يظن بنا أنا لم نعطه، و كثيرا ما لم نعطه فيظن بنا أنا أعطيناه. و الأسباب في ذلك ثلاثة أمور، واحد منها هو سبب لما يكون قد أعطينا و يظن أنا لم نعط، مثل قولنا إن الشمس تتحرك في فلك خارج المركز حركة كذا، و إن القمر يتحرك في فلك تدويره إلى المغرب حركة كذا، و إن الأرض في وسط الكل. فإن هذه العوارض تكون مقولة على الكل أولية و يظن أنها ليست كلية بشرط هذا الكتاب[٣].
و السبب في ذلك أن هذه الأشياء في الوجود مفردة و طبائعها غير مشترك فيها و لا مقولة على كثير في الوجود، فيظن أن محمولاتها و إن كانت مثلا أولية فليست بكلية، و ليس الأمر كذلك.
فإن قولنا" شمس" و قولنا" هذه الشمس" مختلفان. و ذلك لأن قولنا" الشمس" يدل على طبيعة ما[٤] و جوهر ما. و قولنا" هذه الشمس" فإنما يدل على اختصاص من تلك الطبيعة بواحد بعينه. ثم كل برهان نبرهن به على الشمس فلسنا نبرهن عليها من جهة ما هي هذه الشمس، حتى لو كانت طبيعة الشمس مقولة على غير هذه الشمس، كان البرهان مما[٥] لم يقم عليه، بل مجرد طبيعة الشمس من غير اعتبار خصوص و لا عموم. فنبرهن عليها بشيء أو نحكم عليها بشيء لو[٦] كانت تلك الطبيعة مقولة على ألف شخص شمسي لكان الحكم و البرهان متناولا للجميع.
و الطبيعة الكلية يقال لها كلية بوجوه ثلاثة. فيقال" كلية" من جهة ما هي في الوجود مقولة بالفعل على كثيرين، و ليست الأحكام العقلية تقال عن الكليات من جهة ما هي كلية بهذا الشرط.
و يقال" كلية" من جهة ما هي محتملة لأن تقال في الوجود على كثيرين، و إن اتفق أن قيلت[٧] في الحال على واحد مثل بيت مسبع، و كما يحكى من أمر طائر يقال له[٨] ققنس[٩] حتى يقال إنه
[١] س الفصل الرابع في أنا كيف نعطي الكلي و الأولي و نظن أنا لم نعطه.
[٢] أي أعطينا الحكم الكلي الأولي مقدمة في برهان أو نتيجة له.
[٣] أي التعليم الأول.
[٤] س ساقطة.
[٥] ب ما.
[٦] س حتى لو و هو أوضح.
[٧] في المخطوطات الثلاثة قيل.
[٨] س لها.
[٩] لعله تحريف لكلمة فونقس اسم الطائر الخرافي.