الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٣٠
فما أخلق بالعاقل أن يتعجب من[١] عقول هؤلاء! و أنت تعلم أن جميع المطالب في علم الهندسة و العدد تطلب عن أمور لازمة غير[٢] مقومة بوجه، فإنك لا تجد فيها قياسا يطلب عن محمول جنسي أو فصلي. و العجب من ذلك الأول[٣] المتشبه به إذ[٤] أنكر أن تكون العلة الفاعلة وسطا، ثم إنه في الحال ضرب المثل بتوسط قيام الأرض في الوسط في إثبات الكسوف: و ذلك في الحقيقة علة فاعلية للكسوف[٥] و تؤخذ في حد الكسوف. و العفونة تؤخذ في حد صنف من الحميات. و كثير من الأسباب[٦] الفاعلية و الغائية تؤخذ في الحدود و البراهين كما يأتيك بيانه من بعد.
و العجب الآخر أن المثال الذي أورده هو قيام الأرض في الوسط: و ذلك علة لانمحاق الضوء مقومة له، لا متقومة به، و عارض خاصي للقمر الذي هو الحد الأصغر، لا مقوم له. و مما يغرهم ما يقال من أمر الحد و أنه مناسب للبرهان، فيحسبون أن كل برهان ينحل إلى الحد، و إذا انحل إلى الحد كان المطلوب هو الحد الأوسط أو[٧] الأصغر و ليس كذلك. إن كان فإنما يكون ذلك بين الأوسط و الأكبر. و إن القائس القائل إن القمر تقوم الأرض بينه و بين الشمس: و ما قامت الأرض بينه و بين الشمس أورثته ظلمة بالستر، لم يكن الوسط فيه حدا للقمر و لا جزء حد، و لا الأكبر[٨] حدا للأوسط[٩] بمعنى المقوم، و لا جزء حد له، لكنه معلول له. بل الأوسط[١٠] و الأكبر كل واحد منهما أو مجموعهما- كما ستعلم- حد للمطلوب الذي هو الكسوف، و هو عرض ذاتي من الأعراض التي للقمر، و ليس شيئا مقوما له حتى يكون ذاتيا بالمعنى الذي عندهم.
و هذا الطغيان إنما يعرض لهم من سببين: أحدهما بسبب[١١] ما جرت به العادة من استعمال لفظة الذاتي في" كتاب إيساغوجي". و لم يعلموا أنه لا الذاتي و لا الضروري و لا الكلي في هذا الكتاب هو ما قيل في كتاب قبله. و الثاني تفخيم أمر البرهان إذ[١٢] جعلوه من الذاتيات المقومة، إذ كان الذاتي المقوم يتخيل[١٣] عندهم أنه أشرف، و البرهان أيضا بالحقيقة هو أشرف. فيتوهمون أنه
[١] س ساقطة.
[٢] س ليست.
[٣] الظاهر أن الأول صفة للعجب بدليل قوله بعد ذلك و العجب الآخر.
[٤] س إذا.
[٥] س الكسوف.
[٦] س الأفعال.
[٧] أو ساقطة في س.
[٨] س و لا كان الأكبر.
[٩] م ساقط.
[١٠] م ساقط.
[١١] س لسبب.
[١٢] م، ب إذا.
[١٣] س يخيل.