الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٢٨
له سببا لأن يقال إنه عرض في شيء آخر: كما نقول جسم أبيض و سطح أبيض. فالسطح أبيض بذاته، و الجسم أبيض لأن السطح أبيض.
فهذه[١] هي الوجوه الخارجة عن غرضنا هاهنا. بل الداخل في غرضنا هو المذكوران الأولان: فإنه قد يطلق لفظة[٢]" ما بذاته" مرادفة لما هو مقول من جهة" ما هو" على المعنى المذكور في هذا الفن: فيقال للمقوم ذاتي لما يقومه و بذاته له. و قد يطلق لفظة بذاته و الذاتي و يعني به العارض المأخوذ في حده الموضوع أو ما يقومه على ما قيل- و ربما قيل على معنى أخصر و أشد تحقيقا- و يعني[٣] به ما يعرض للشيء[٤] أو[٥] يقال عليه لذاته و لما هو هو، لا لأجل أمر أعم منه، و لا لأجل أمر أخص منه. و حين استعمل على هذا المعنى في التعليم الأول فقد يتضمن[٦] شرط الأولية. فلذلك[٧] من غير استثناء و شرط أنتج منه أنه يجب أن يكون أوليا. و إذا لم يفهم ذلك شوش و نوقض و قيل[٨]: ما كان يجب أن يقال إن لذاته هو الذي لما هو هو. و السبب فيه أنه لم يفهم هذا الاشتراك الأول. و لذلك قيل:
لا الموسيقى و لا البياض بذاته للحيوان: لأن الموسيقى من خواص الإنسان فتكون للحيوان بسبب أنه إنسان. و أما البياض فهو له لأنه جسم مركب. و من هذه الأعراض الذاتية ما هو ضروري مثل قوة[٩] الضحك للإنسان، و منه ما هو غير ضروري[١٠] مثل الضحك بالفعل للإنسان.
و قد بلغ من عدول بعض الناس عن المحجة في هذا الباب لسوء فهمه أن ظن أن المحمولات في البراهين لا تكون البتة إلا من المقومات، لأنه لما جرت العادة عليه في تأمله لكتاب" إيساغوجي" بأن يسموا المقوم ذاتيا، و لا يفهم هناك من الذاتي إلا المقوم، ظن أن الذاتي في" كتاب البرهان" ذلك بعينه و هو العلة. قال: و ليس كل علة، فإن[١١] الفاعل و الغاية لا يصلح أن يجعل أحدهما وسط برهان، بل المادة أو ما يجري مجراها و هو الجنس، أو الصورة أو ما يجري مجراها و هو الفصل، و إن محمولات المطالب أيضا هي هذه بأعيانها، و إنه إنما تكون المقدمة الكبرى ذاتية إذا كان محمولها ذاتيا بمعنى المقوم للموضوع[١٢]. و قال إن الحد الأوسط يكون ذاتيا لكلا
[١] ب و هذه.
[٢] س ساقطة.
[٣] س فيعني.
[٤] س لشيء.
[٥] س و.
[٦] س يضمن.
[٧] ب فكذلك.
[٨] س و إذا لم يفهم ذلك قوم لشوشوا و تناقضوا و قالوا إلخ. و" ما" في قوله ما كان يجب نافية و قوله إن لذاته يعني إن الذي لذاته.
[٩] م ساقط.
[١٠] م ساقط.
[١١] م قال.
[١٢] س ذاتيا للموضوع بمعنى المقوم.