الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٢
المكتسب بالحواس، و العلم المكتسب بغيرها، و يدلل على إمكان الوصول إلى المعانى العقلية المجردة، و غير ذلك مما بسطه فيما بعد في كتاب الإشارات[١].
و إذا لم يكن لابن سينا فضل تأليف كتاب جديد في البرهان، بل كان مجهوده فيه مجهود جامع ملخص عارض، شارح معقب معلق على برهان أرسطو، فأين فضله إذن، و ما هى قيمة كتابه؟ الحق أن فضله إنما هو في هذه كلها مجتمعة. و ليس بقادح في قيمة كتابه أن مادته فى جوهرها هى مادة البرهان الأرسطي.
لم تكن المهمة التي اضطلع بها ابن سينا مهمة سهلة أو هينة؛ فقد كان عليه أن يعرض- لأول مرة في تاريخ المنطق في العالم الإسلامى- صورة من صور البرهان الأرسطي في لغة، إن لم تكن واضحة الوضوح كله، فهى على الأقل مفهومة خالية من الركاكة و الاستغلاق اللذين نجدهما في ترجمة أبى بشر متى بن يونس، و ليست موضوعات البرهان الأرسطي من الموضوعات التي يسهل فهمها و استيعاب معانيها و مراميها حتى على المتمرسين بصناعة المنطق و الفلسفة، بل تحتاج إلى تأمل عميق و فهم دقيق و إحاطة شاملة بالتراث الأرسطي المنطقى و الفلسفى. كما أن لغة أرسطو في البرهان ليست باللغة المستقيمة الواضحة، بل هو أعقد و أعوص كتبه المنطقية و أكثرها تركيزا على الإطلاق.
فإذا استطاع ابن سينا أن يخرج للعالم العربى، فى مثل هذه الظروف المظلمة، و من غير استعانة بأستاذ ما، كتابا في نظرية البرهان يمكن فهمه و استساغته: كتابا كان معتمد كل باحث عربى في العالم الإسلامى من بعده، كان ذلك فضلا عظيما له و لكتابه، و نصرا مبينا لعبقريته.
٤- أسلوبه:
إننا لا نتطلب عادة ممن يكتبون في مادة كمادة المنطق، جمالا في الأسلوب، أو روعة و أناقة فى التعبير، فإن طبيعة العلم نفسه تأبى ذلك عليهم. و إنما ألزم ما نلزمهم به الدقة في التعبير و التحليل و القصد في الألفاظ، و البساطة في اللغة، و الوضوح في الفكرة، و الترتيب المنطقى المتسلسل المترابط. و لابن سينا في كتاب البرهان حظ غير قليل من هذه الصفات جميعها: فقد عنى ما وسعه الجهد بإيضاح الأفكار المنطقية، و قصد إلى أقصر الطرق في التعبير عنها، متحاشيا لغو القول
[١] راجع الإشارات في النمط الرابع في الوجود و علله.