الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١١٦
و مما غلطهم في أمر الأصل الموضوع ما سمع أنه جعله أحد قسمي ما لا وسط له، و حسبوا أن معناه لا وسط له في نفسه، و ليس كذلك. بل معناه ما لا وسط له في ذلك العلم سواء كان له وسط في علم آخر أو لم يكن و لا في شيء من العلوم وسط[١].
و اعلم أن المقدمات البرهانية التي على مطالب ضرورية[٢] إنما هي في مواد واجبة ضرورية، و المغالطات البرهانية في أمثالها هي في[٣] مواد ممتنعة ضرورية. و أعني بالمغالطات البرهانية ما يشبه البرهان[٤] و ليس برهانا. فإن من المغالطات مغالطات جدلية غير برهانية. و الفرق بينهما أن مقدمة المغالطة البرهانية تشبه بالأولية و تكون من أمور ضرورية، إلا أن يكون المطلوب أمرا ممكنا فيكون القياس عليه من الممكنات. و أما القياس على ما ليس منها فإنما يكون من ضروريات و مقابلاتها مقابلات الضرورية. فلذلك توجد كلية كاذبة في الكل، كبرى و صغرى، و ينتج منها نتائج كاذبة في الكل إذا أخذت كبرى، و تكون المقدمة منها مضادة للمقدمة البرهانية، و النتيجة منها مضادة للنتيجة البرهانية، إذا أخذت على هذه الصورة.
و أما المقدمة المغالطية الجدلية فإنها[٥] تشبه بالمشهورة و لا تكون مشهورة عند التعقب، و لا يجب في الأكثر أن تكون ضرورية. و ربما كانت شنعة، و ربما كانت مع شناعتها صادقة و لكن استعمالها في الجدل يكون مغالطة لأنها و إن كانت صادقة فهي خلاف المشهورة[٦]. فإن كثيرا من المشهورات كاذب، و كثيرا[٧] من الشنع حق. و نسبة المشهور و الشنع إلى القياسات الجدلية نسبة الحق و الباطل إلى القياسات البرهانية، فالغلط في البرهان هو بما ليس بحق، و في الجدل بما ليس بمشهور، و المغالطة البرهانية تقع لسهو من القياس، و قد تقع لقصد الامتحان، و قد تقع شرا و رداءة نفس.
[١] س و لا شيء من العلوم قط.
[٢] س كلية.
[٣] ب ساقطة.
[٤] س بالبرهان.
[٥] س+ مقدمة.
[٦] م المشهور.
[٧] س و كثير.