الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٠٧
العقلية. و أما إذا رتبت الكليات النوعية بإزاء الكليات الجنسية، كانت الكليات الجنسية أقدم بالطبع و ليست أعرف عند الطبيعة، و كانت الكليات الجنسية أيضا أقدم و أعرف عند عقولنا.
و الكليات النوعية أشد تأخرا[١] و أقل معرفة بالقياس إلينا: و ذلك لأن طبيعة الجنس إذا رفعت ارتفعت[٢] طبائع الأنواع، و إن كانت طبيعة الجنس من جهة ما هي كلية- لا من جهة ما هي طبيعة فقط- قائمة بالأنواع. فطبائع الأجناس أقدم بهذا الوجه من طبائع الأنواع. لكن الأعرف عند الطبيعة هي طبائع الأنواع: لأن الطبيعة إنما تقصد لا طبيعة الجنس في أن يوجد، بل طبيعة النوع. فيلزمها[٣] طبيعة الجنس على سبيل المقصود بالضرورة أو بالعرض: و ذلك لأن النوع هو المعنى الكامل المحصل. و أما[٤] طبيعة الجنس وحدها، فلا يمكن أن يوضع لها[٥] في الوجود تحصيل. و الطبيعة تقصد الكامل المحصل الذي هو الغاية. و أيضا لو كان المقصود طبيعة الجنس بذاتها لما تكثرت[٦] أنواع الجنس في الطبيعة، و وقع الاقتصار على نوع واحد.
و بعيد أن يظن ظان أن[٧] طبيعة اللون هي أعرف عند الطبيعة من البياض و السواد و غيرها[٨]، بل الطبيعة[٩] الكلية الممسكة لنظام العالم تقصد الطبائع النوعية. و الطبائع الجزئية التي ليست ذاتية لنظام العالم تقصد الطبائع الشخصية، و الجنس داخل في القصد بالضرورة أو بالعرض.
فقد بان أن طبائع الأنواع أعرف من طبائع الأجناس في الطبيعة، و إن كان الجنس أقدم بالطبع من النوع. لكن طبائع الأجناس أقدم عندنا من طبائع الأنواع- أعني بالقياس إلى عقولنا و إدراك عقولنا الإدراك المحقق لها: فإن العقل أول شيء إنما يدرك المعنى العام الكلي، و ثانيا يتوصل إلى ما هو مفصل. فلهذا ما[١٠] نجد[١١] الناس كلهم مشتركين في[١٢] معرفة الأشياء بنوع أعم. و أما نوعيات الأشياء فإنما يعرفها أكثر من بحثه أكثر. و نحن في مبدإ استفادتنا للمدركات يلوح لنا ما هو أقدم عندنا على الإطلاق و أشد تأخرا في الطبيعة على الإطلاق- و هي الجزئيات المحسوسات- فنقتنص منها الكليات. و بعد ذلك إذا أردنا أن نتحقق الكليات تحققا كليا، ليس شيئا[١٣] منتشرا خياليا، يكون ما نبتدئ منه هو من جانب الأعرف عندنا، و الأقدم
[١] م، ب تأخيرا.
[٢] س ارتفع.
[٣] أي يلزم طبيعة النوع.
[٤] س فأما.
[٥] س له.
[٦] س تكون.
[٧] س ساقطة.
[٨] س غيرها.
[٩] س الطبائع.
[١٠] س إما.
[١١] م يجد.
[١٢] م من.
[١٣] س ساقطة.