الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ١٠٤
مساوية لنوع واحد، فهي صالحة لأن تقال على أنواع كثيرة. فإذا تذكرت هذا و أحسنت الاعتبار، وجدت طبيعة فصل الجنس يستحيل حملها على الإنسان و لم يحمل عليه الحيوان حال ما لم يحمل عليه الحيوان. فقد بان لنا أن الجنس الأقرب إذا نسب إلى النوع بالفعل و نسب الجنس الذي يليه إلى ذلك النوع بالفعل، أو نسب فصله إلى ذلك النوع بالفعل، لم تكن نسبة جنس الجنس و فصل الجنس قبل نسبة الجنس، و أن ذلك ليس كما يأخذ الآخذ طبيعة الجنس و الفصل بذاتهما غير منسوبة إلى شيء بعينه حتى يكون ما هو أعم مما يجوز[١] أن يوجد و إن لم يوجد ما هو أخص. و فرق بين أن يكون قبل في الوجود مطلقا، و أن يكون قبل في الوجود لشيء.
فقد اتضح من ذلك أن الشبهة منحلة. و هذا يتبين[٢] بيانا أوضح إذا نحن تأملنا الأمور البسيطة. فإنه لا يجوز أن يوجد معنى اللون لشيء ثم توجد له البياضية، بل الموجود الأول له هو البياضية. و إذا وجد الشيء بياضا أو سوادا تبعه[٣] وجود أن للشيء لونا، و إن كان اللون أعم من البياض و قد يوجد حيث لا يوجد البياض. لكنه لا يوجد لجزئيات البياض إلا لأنه موجود للبياض، إذ كان معنى فصل الجنس و جنسه يوجدان[٤] للجنس و إن لم يوجدا لنوعه المعين. و لا يوجدان للنوع إلا و قد وجدا للجنس. فهما إذن لمعنى الجنس قبلهما لمعنى النوع.[٥] فظاهر بين أن وجودهما للجنس بذاته، و وجودهما للنوع بالجنس. فإذن الجنس سبب في وجودهما للنوع: لأن كل ما هو بذاته فهو سبب لما ليس بذاته.
و كذلك حال ما تحت النوع مع النوع: فإن قال قائل: إنا إذا قلنا إن كل ج حساس، و كل حساس حيوان، فأنتجنا أن كل ج حيوان، لم يمكن أن يزول هذا العلم البتة، و لم يمكنا ألا نصدق بأنه لا يمكن ألا يكون كل ج حيوانا: فالجواب أن الأمر ليس هكذا، بل الحيوان، و إن لزم وجود الحساس، فليس بينا أن كل حساس حيوان بيانا يقينيا، بل بيانا وجوديا، أو هو بيان ما ببيان برهاني[٦]. و ذلك لأن معنى قولك حساس هو أنه شيء ذو حس من غير زيادة شرط، فليس يلزم[٧] ضرورة أن يكون ذلك الشيء من جهة أنه ذو حس هو ذو اغتذاء و نمو و حركة مكانية،
[١] م، ب مما يجوز.
[٢] م يبين.
[٣] م، ب أتبعه.
[٤] س يوجد.
[٥] أي فحملهما على الجنس متقدم في الرتبة و الذهن على حملهما على النوع.
[٦] س أو هو أمر ما بيان برهاني.
[٧] س+ ذلك.