سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٩٨ - مقدمة المؤلف
انفجرت عني تلك الأثقال قال و قال لي: كنت أشتغل بالفقه على المشايخ و أخرج إلى الصحراء و لا آوي بغداد و أجلس في الخراب بالليل و النهار، و كنت ألبس جبة صوف و على رأسي خريقة و كنت أمشي حافيا في الشوك و غيره و أقتات بخرنوب الشوك و قمامة البقل و ورق الخس من جانب النهر و الشط و ما هالني شيء إلا سلكته و كنت آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طرقني من اللّه عزّ و جلّ طارق و كان يطرقني بالليل و النهار و آتي الصحراء فأصرخ و أهج على وجهي. و ما كنت أعرف إلا بالتخارس و الجنون و حملت إلى البيمارستان و طرقتني الأحوال حتى مت و جاؤوا بالكفن و الغاسل و جعلوني على المغتسل ليغسلوني ثم سرى عني.
و قال الشيخ أبو السعود الحريمي: سمعت سيدي الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه يقول: أقمت في صحاري العراق و خرابه خمسة و عشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق و لا يعرفوني تأتيني طوائف من رجال الغيب و الجان أعلمهم الطريق إلى اللّه عزّ و جلّ و رافقني الخضر ٧ في أول دخولي إلى العراق، و ما كنت عرفته و شرط أن لا أخالفه، و قال لي: اقعد هنا، فجلست في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني في كل سنة مرة و يقول لي: مكانك حتى آتيك، و كانت الدنيا و زخرفها و شهواتها تأتيني في صورها فيحميني اللّه عزّ و جلّ من الالتفات إليها و تأتيني الشياطين في صور شتى مزعجات و يقاتلونني فيقويني اللّه عليهم و تبرز إلى نفسي في صورة فتارة تتضرع إلي فيما تريده، و تارة تحاربني فينصرني اللّه عليها. و ما آخذت نفسي في حال البداية بطريق من طرق المجاهدات إلا و لازمته و اعتنقته و أخذته بكلتا يدي و أقمت زمانا في خراب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فمكثت سنة آكل المنبوذ و لا أشرب الماء و سنة أشرب الماء و لا آكل المنبوذ و سنة لا آكل و لا أشرب و لا أنام و نمت بإيوان كسرى في ليلة شديدة البرد فاحتملت فقمت و ذهبت إلى الشط فاغتسلت فاحتلمت تلك الليلة أربعين مرة و اغتسلت في الشط أربعين مرة ثم صعدت إلى الإيوان خوف النوم و أقمت في خراب الكوخ سنين لا أقتات فيها إلا بالبردى و يأتيني رجل في رأس كل سنة بجبة صوف، و دخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم و ما كنت أعرف إلا بالتخارس و البلم و الجنون و كنت أمشي حافيا في الشوك و غيره و ما هالني شيء إلا سلكته و لا غلبتني نفسي فيما تريده قط و لا أعجبني من زينة الدنيا شيء قط رضي اللّه عنه.
و قال الشيخ عمر: سمعت سيدنا الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه يقول: كانت الأحوال تطرقني في بداية سياحتي فأقاربها فأملكها فأغيب فيها عن وجودي و أعدو و أنا