سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٧٥ - و قال رضي الله عنه في الفناء
الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) [الفجر: الآيتان ٢٧، ٢٨] حينئذ يدخل القلب الحضرة و يصير كعبة لنظرات الرب سبحانه و تعالى و يكشف له عن جلال الملك و تخرج ألقابه و تسلم إليه وراثته و يسمع النداء من الرفيع الأعلى يا عبدي و كل عبدي أنت لي و أنا لك فإذا طالت صحبته صار بطانة للملك و خليفته على رعيته و أمينه على أسراره و أرسله إلى البحر ليستنقذ الغرقى و إلى البر ليهدي الضال فإن مر على ميت أحياه أو على عاص ذكره أو بعيد قرّبه أو على شقيّ أسعده الوليّ غلام البدل، و البدل غلام النبي، و النبي غلام الرسول صلى اللّه عليهم أجمعين. مثال الأولياء مثل مسامر الملك لا يزال في صحبته و الليل سرير ملكهم و النهار بقربهم يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك.
و قال رضي اللّه عنه في الفناء
أفن عن الخلق بحكم اللّه تعالى و عن هواك بأمر اللّه تعالى و عن إرادتك بفعل اللّه تعالى فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه تعالى فعلامة فنائك عن خلق اللّه تعالى انقطاعك عنهم و اليأس بما في أيديهم و علامة فناءك عنك و عن هواك ترك التعلق بالتسبب في طلب النفع و دفع الضر فلا تتحرك فيك بك و لا تعتمد عليك لك و لا تذب عنك و لا تنتفس لنفسك بل تكل ذلك كله إلى من تولاه أو لا فيتولاه آخر أو علامة فنائك عن إرادتك أن لا تريد مع إرادة اللّه تعالى سواه بل يجري فعله فيك و أنت ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر عامر الباطن غني عن الأشياء تقلبك يد القدرة و يدعوك لسان الأزل و يعلمك ربّ الملك و يكسوك من نوره حللا و ينوء لك منازل من سلف من أولى العلم الأول فتكون أبدا منكسرا لا تثبت فيك إرادة غير إرادة اللّه تعالى فحينئذ يضاف إليك التكوين و خرق العادات فيرى ذلك منك في ظاهر الحكم و هو فعل اللّه حقّا في العلم و هذه نشأة أخرى فإذا وجدت فيك إرادة كبرت لوجودك فيها إلى أن يبلغ أجله فيحصل اللقاء فالفناء هو حد و مرد و هو أن يبقى اللّه تعالى وحده كما كان قبل أن يخلق الخلق و هذه حالة الفناء فإذا مت عن الخلق قيل لك رحمك اللّه تعالى و إذا مت عن الإرادة قيل لك رحمك اللّه تعالى و أحياك فحينئذ تحيي حياة لا موت بعدها و تغني غناء لا فقر بعده و تعطي عطاء لا منع بعده و تعلم علما لا جهل بعده و تأمن أمنا لا خوف بعده و تسعد فلا تشقى و تعز فلا تذل و تقرب فلا تبعد و تعظم فلا تحقر و تطهر فلا تدنس.