سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١١٠ - المقالة الخامسة و الأربعون في النعمة و الابتلاء
المقالة الثالثة و الأربعون في ذم السؤال من غير اللّه تعالى
قال قدّس اللّه سرّه: ما سأل الناس من سأل إلا لجهله باللّه عزّ و جلّ و ضعف إيمانه و معرفته و يقينه و قلة صبره، و ما تعفف من تعفف عن ذلك إلا لوفور علمه باللّه عزّ و جلّ و قوة إيمانه و يقينه و تزايد معرفته بربه عزّ و جلّ في كل يوم و لحظة و حياته منه عزّ و جلّ.
المقالة الرابعة و الأربعون في سبب عدم استجابة دعاء العارف باللّه تعالى
قال قدّس اللّه سرّه: إنما لم يستجب للعارف كلما يسأل ربه عزّ و جلّ و يوفي له بكل وعد لئلا يغلب عليه الرجاء فيهلك، لأن ما من حالة و مقام إلا و لذاك خوف و رجاءهما كجناحي طائر لا يتم الإيمان إلا بهما و كذلك الحال و المقام، غير أن خوف كل حالة و رجاءها بما يليق بها، فالعارف مقرب و حالته و مقامه أن لا يريد شيئا سوى مولاه عزّ و جلّ و لا يركن و لا يطمئن إلى غيره عزّ و جلّ، و لا يستأنس بغيره، فطلبه لإجابة سؤاله و الوفاء بعهده غير ما هو بصدده و لائق بحاله ففي ذلك أمران اثنان:
أحدهما لئلا يغلب عليه الرجاء و الغرة بمكر ربه عزّ و جلّ فيغفل عن القيام بالأدب فيهلك، و الآخر شركه بربه عزّ و جلّ بشيء سواه، إذ لا معصوم في العالم في الظاهر بعد الأنبياء عليهم و على نبينا أفضل الصلاة و السلام، فلا يجيبه و لا يوفي له كيلا، يسأل عادة و يريده طبعا لا امتثالا للأمر، لما في ذلك من الشرك و الشرك كبيرة في الأحوال كلها و الأقدام جميعها و المقامات بأسرها.
و أما إذا كان السؤال بأمر فذلك مما يزيده قربا كالصلاة و الصيام و غيرهما من الفرائض و النوافل، لأنه يكون في ذلك ممتثلا للأمر.
المقالة الخامسة و الأربعون في النعمة و الابتلاء
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: إن الناس رجلان: منعم عليه، و مبتلي بما قضى ربه عزّ و جلّ، فالمنعم لا يخلو من المعصية و التكدر فيما أنعم عليه، فهو في أنعم ما يكون من ذلك إذ جاء القدر بما يكدره عليه من أنواع البلايا من الأمراض و الأوجاع