سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٣٣ - الفصل العاشر في بيان الحجب الظلمانية و النورانية
قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «سبقت رحمتي غضبي»[١]، و قال اللّه تعالى لنبيّه:
وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء: الآية ١٠٧]، و قال اللّه تعالى:
... قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: الآية ١٥]، و قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك»[٢].
الفصل العاشر في بيان الحجب الظّلمانية و النورانيّة
قال اللّه تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢) [الإسراء: الآية ٧٢]، و المراد منه عمى القلب كما قال اللّه تعالى: ... فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحجّ: الآية ٤٦].
و سبب إعماه ظلمات الحجب و الغفلة و النسيان بسبب بعد العهد من ربّه.
و سبب الغفلة: الجهل من حقيقة الأمر الإلهي.
و سبب الجهل: استيلاء الصّفات الظّلمانيّة عليه كالكبر و الحقد و الحسد و البخل و العجب و الغيبة و النّميمة و الكذب و نحو ذلك من الذّمائم. و سبب تنزّله إلى أسفل السّافلين هذه الصّفات.
و إزالة هذه الصّفات الذّمائم بتصقيل مرآة القلب بمصقل التّوحيد و بالعلم و العمل و المجاهدة القويّة باطنا و ظاهرا؛ فتحصل حياة القلب بنور الأسماء و الصّفات فيذكر وطنه الأصليّ فيشتاق إليه فيرجع و يصل بعناية الرّحمن.
و بعد ارتفاع هذه الحجب الظّلمانيّة تبقى النّورانيّة، و يصير بصيرا ببصيرة الرّوح، و منوّرا بنور الأسماء و الصّفات حتّى ترتفع الحجب النّورانيّة تدريجا؛ فينوّر بنور الذّات.
و اعلم أنّ للقلب في الباطن عينين: عين الصّغرى، و عين الكبرى.
فعين الصّغرى: تشاهد تجلّيات الصّفات بنور الأسماء و الصّفات إلى انتهاء عالم الدّرجات.
[١] - رواه البخاري( ٦/ ٢٧٤٥)، و مسلم( ٤/ ٢١٠٨).
[٢] - أورده القاري في الأسرار المرفوعة( ٣٨٥).