سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٢٦ - المقالة الحادية و الستون في التوقف عند كل شيء حتى يتبين له إباحة فعله
الفناء، و هو الوصول إلى قرب الحق عزّ و جلّ و المعرفة به، و الاختصاص بالأسرار و العلوم الدينية، و الدخول في بحار الأنوار، حيث لا تضر ظلمة الطبائع و الأنوار، فالطبع باق إلى أن تفارق الروح الجسد لاستيفاء الأقسام، إذ لو زال الطبع من الآدمي لالتحق بالملائكة و بطلت الحكمة، فبقي الطبع يستوفي الأقسام و الحظوظ، فيكون ذلك وظائفا لا أصليّا كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «حبب إلي من دنياكم ثلاث:
الطيب و النساء و جعلت قرة عيني في الصلاة» فلما فني النبي صلى اللّه عليه و سلم عن الدنيا و ما فيها ردت إليه أقسامه المحبوسة عنه في حال سيره إلى ربه عزّ و جلّ، فاستوفاها موافقة لربه تعالى و الرضا بفعله ممتثلا لأمره، قدست أسمائه و عمت رحمته، شمل فضله لأوليائه و أنبيائه عليهم الصلاة و السلام، فهكذا الولي في هذا الباب ترد إليه أقسامه و حظوظه مع حظ الحدود، فهو الرجوع من النهاية إلى البداية، و اللّه أعلم.
المقالة الحادية و الستون في التوقف عند كل شيء حتى يتبين له إباحة فعله
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: كل مؤمن مكلف بالتوقف و التفتيش عند حضور الأقسام عن التناول و الأخذ، حتى يشهد له الحكم بالإجابة، و العلم بالقسمة، و المؤمن فتاش و المنافق لقاف. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «المؤمن وقاف»[١]. و قال صلى اللّه عليه و سلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»[٢] فالمؤمن يقف عند كل قسم من مأكول و مشروب و ملبوس و منكوح و سائر الأشياء التي تفتح له فلا يأخذ حتى يحكم له بجواز الأخذ و التناول كحكمه إذا كان في حالة التقوى. أو حتى يحكم له بذلك الأمر إذا كان في حالة الولاية. أو حتى يحكم العلم في حالة البدلية و الغوثية، و الفعل الذي هو القدر المحض و هي حالة الفناء، ثم تأتيه حالة أخرى تتناول كل ما يأتيه و يفتح له ما لم يعترض عليه الحكم و الأمر و العلم، فإذا اعترض أحد هذه الأشياء امتنع من التناول، فهي ضد الأولى.
ففي الأولى الغالب عليه التوقف و التثبت. و في الثانية الغالب عليه التناول و الأخذ و التلبس بالفتوح. ثم تأتي الحالة الثالثة.
[١] - رواه البيهقي في الكبرى( ٢/ ٣٤١).
[٢] - رواه البخاري( ٢/ ٧٢٤)، و ابن خزيمة في صحيحه( ٤/ ٥٩)، و ابن حبان( ٢/ ٤٩٨)، و الحاكم في المستدرك( ١/ ١١٦)،( ٢/ ١٥)، و الترمذي( ٤/ ٦٦٨)، و الدارمي( ٢/ ٣١٩).