سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٢ - الفصل الخامس في بيان التوبة و التلقين
لا إله إلّا اللّه- بشرط أخذه من قلب تقيّ نقيّ ممّا سوى اللّه، لا كلّ كلمة تسمع من أفواه العامّة، و إن كان اللّفظ واحدا و لكن المعنى متفاوت، لأنّ القلب إنّما يحيى إذا أخذ بذر التّوحيد من قلب حيّ، فيكون بذرا كاملا، و البذر غير البالغ لا ينبت، و لذلك بذر كلمة التّوحيد في القرآن العظيم في موضعين.
أحدهما: مقارن بالقول الظّاهريّ كما قال اللّه تعالى: ... إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... [الصّافات: الآية ٣٥]، فهذا في حقّ العوام.
و الثّاني: مقرون بالعلم الحقيقيّ كما قال اللّه تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ [محمّد: الآية ١٩]. فهذا التّلقين بسبب نزول هذه الآية لأجل التّلقين للخواصّ كما قال في بستان الشّريعة: (أوّل من تمنى أقرب الطّريق و أفضلها و أسهلها من النّبيّ ٦ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه) فانتظر النّبيّ ٦ فنزل جبرائيل ٧ على النّبيّ ٦ و لقّن هذه الكلمة ثلاث مرات، ثمّ قال النّبيّ ٦ كما قال جبرائيل ثمّ لقّن رسول اللّه ٦ عليّا رضي اللّه عنه، ثمّ جاء إلى أصحابه فلقّنهم جميعا، فقال رسول اللّه ٦: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»[١]، و المراد من الجهاد الأكبر جهاد النّفس كما قال رسول اللّه ٦: «أعدى أعدائك نفسك الّتي بين جنبيك»[٢]. فلا تحصل محبّة اللّه تعالى إلّا بعد قهر الأعداء في وجودك من النّفس الأمّارة و اللّوامة و الملهمة، فتطهّر من الأخلاق الذّميمة البهيميّة، كمحبّة زيادة الأكل و الشّرب و النّوم، و اللّغو و السّبعيّة كالغضب و الشّتم و الضّرب و القهر، و الشّيطانيّة كالكبر و العجب و الحسد و الحقد و غير ذلك من الآفات البدنيّة و القلبيّة. و إذا تطهّرت منها فقد تطهّرت من أصل الذّنوب، فأنت من المتطهّرين و التوّابين كما قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: الآية ٢٢٢]. فمن تاب عن مجرّد ظاهر الذّنب لا يدخل في هذه الآية، و إن كان تائبا، لكن ليس بتوّاب. فإنّه لفظ المبالغة، و المراد منه توبة الخواصّ.
[١] - رواه البيهقى في الزهد الكبير( ٣٧٣)، و الخطيب في تاريخ بغداد( ١٣/ ٤٩٣).
[٢] - رواه البيهقي في الزهد الكبير( ٣٤٣)، و أورده العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ١٦٠).