سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٠ - الفصل الرابع عشر في بيان صلاة الشريعة و الطريقة
عليه و آله و سلّم: «من جدّد الوضوء جدّد اللّه إيمانه»[١] فإذا انتقض وضوء الباطن بالأفعال الذّميمة و الأخلاق الرّديّة- كالكبر و الحقد و الحسد و العجب و الغيبة و الكذب و الخيانة؛ يعني: مثل خيانة العين و اليدين و الرجلين و الأذنين كما قال رسول اللّه ٦: «العينان تزنيان و الأذنان تزنيان»[٢]- فتجديده وضوء الباطن بإخلاص التّوبة عن هذه المفسدات، و تجديد الإنابة بالنّدم و الاستغفار و الاشتغال بقمعها من الباطن.
و ينبغي للعارف أن يحفظ توبته من هذه الآفات فتكون صلاته تامّة كما قال اللّه تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) [ق: الآية ٣٢].
فوضوء الظّاهر و صلاته مؤقتة، و وضوء الباطن و صلاته مؤبدة في جميع عمره، في كلّ يوم و ليلة متصلة.
الفصل الرّابع عشر في بيان صلاة الشريعة و الطّريقة
أمّا صلاة الشّريعة: فقد علمت بهذه الآية: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ... [البقرة:
الآية ٢٣٨] و المراد منها أركان الجوارح الظّاهرة بحركة الجسمانيّة مثل القيام و القراءة و الرّكوع و السّجود و القعود و الصّوت و الألفاظ؛ و لذلك جاء الفضل الجمع- يعني قال اللّه تعالى: حافِظُوا ...-.
و أمّا صلاة الطّريقة: فهي صلاة القلب، و هي مؤبّدة فقد علمت بهذه الآية:
وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: الآية ٢٣٨]، و المراد من الصّلاة الوسطى صلاة القلب؛ لأنّ القلب خلق في وسط الجسد بين اليمين و الشّمال، و بين العلويّ و السّفليّ، و بين السّعادة و الشّقاوة كما قال رسول اللّه ٦: «القلب بين أصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبها كيف يشاء»[٣] و المراد من الأصبعين صفتي القهر و اللّطف، لأنّ اللّه تعالى منزّه عن الأصابع فبدليل هذه الآية و الحديث يعلم أنّ الأصل صلاة القلب، فإذا غفل عن صلاته فسدت صلاته و صلاة الجوارح كما قال
[١] - انظر: إحياء علوم الدين( ١/ ١٣٥).
[٢] - رواه أحمد في المسند( ١/ ٤١٢)، و مسلم بنحوه( ٢٦٥٧)، و ابن حبان( ١٠/ ٢٦٧)، و الشاشي في مسنده( ١/ ٣٨١، ٣٨٢).
[٣] - رواه مسلم( ٤/ ٢٠٤٥)، و الحاكم( ١/ ٧٠٦)،( ٢/ ٣١٧)،( ٤/ ٢٣٠، ٣٥٧).