سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٥٩ - الفصل الرابع و العشرون في بيان الخاتمة النزعة
الفصل الرّابع و العشرون في بيان الخاتمة النزعة
ينبغي أن يكون السّالك فطنّا بصيرا ناظرا إلى خواتيم الأمور، و يتفكّر في إدبارها، و لا يغترّ بظاهر الأحوال، فقد اتّفق أهل التّصوّف أنّ السّالك إلى الأحوال يغفل عن محوّلها كما قال اللّه تعالى: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: الآية ٩٩]، و كذلك قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «يا محمّد بشّر المذنبين بأنّي غفور، و أنذر الصّادقين بأنّي غيور»[١].
فإنّ كرامات الأولياء و أحوالهم غير مأمونة من المكر و الاستدراج، بخلاف معجزات الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام فإنّها مأمونة من ذلك أبدا، و قيل خوف سوء الخاتمة سبب النّجاة من سوء الخاتمة غالبا لئلا تخدعه البشريّة؛ فيقطع سبيله من حيث لا يشعرون.
قالوا: في الصّحة يكون الخوف غالبا، و في المرض يكون الرّجاء غالبا، قال رسول اللّه ٦: «لو وزن خوف المؤمن و رجاؤه لاستويا»[٢].
و أمّا في حالة النّزع فينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه بفضل اللّه أغلب. قال النّبيّ ٦: «لا يموتن أحدكم إلّا و هو يحسن الظّنّ باللّه»[٣]- يعني: يتفكّر بسبقة رحمته على غضبه و بسعة رحمته و استعانته، إنّه أرحم الرّاحمين، فيفرّ من قهره إلى لطفه، و يفرّ منه إليه متذلّلا متضرعا معتذرا متملّقا معترفا بذنبه في بابه، فيتوقّع فيض ألطافه و رحمته على ذنبه، إنّ اللّه هو البرّ الرّحيم، و الجواد الكريم.
اللّهمّ يا هادي المضلّين، و يا أرحم المذنبين، علمك كاف عن المقال، و كرمك كاف عن السؤال، اللّهمّ صلّ على سيّد المرسلين، و آله و صحبه أجمعين، يا ربّ العالمين.
تمّت الرّسالة بتوفيق اللّه تعالى
[١] - رواه الحكيم الترمذي في النوادر( ٤/ ٧٨)، بنحوه عن اللّه تعالى قوله:« يا داود بشر المذنبين ...».
[٢] - رواه أحمد في الزهد( ص ٢٩٣)، بنحوه، و انظر: الدرر للسيوطي( ٣٤٩).
[٣] - رواه مسلم( ٢٨٧٧)، و أبو داود( ٣١١٣)، و أحمد في المسند( ٣/ ٢٩٣).