سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٦٥ - المقالة الثالثة في الابتلاء
تجزعوا و اثبتوا و لا تنفروا، و اسألوا و لا تسأموا، و انتظروا و ترقبوا و لا تيأسوا، و تواخوا و لا تعادوا، و اجتمعوا على الطاعة و لا تتفرقوا، و تحابوا و لا تباغضوا، و تطهروا عن الذنوب و بها لا تدنسوا و لا تتلطخوا و بطاعة ربكم فتزينوا، و عن باب مولاكم فلا تبرحوا، و عن الإقبال عليه فلا تتولوا، و بالتوبة فلا تسوفوا، و عن الاعتذار إلى خالقكم في آناء الليل و أطراف النهار فلا تملوا، فعلكم ترحمون و تسعدون، و عن النار تبعدون، و في الجنة تحبرون، و إلى اللّه توصلون، و بالنعيم و افتضاض الأبكار في دار السلام تشتغلون و على ذلك أبدا تخلدون و على النجائب تركبون، و بحور العين و أنواع الطيب و صوت القيان مع ذلك النعيم تحبرون، و مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء الصالحين ترفعون.
المقالة الثالثة في الابتلاء
قال رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه: إذا ابتلى العبد ببلية تحرك أولا في نفسه بنفسه، فإن لم يتخلص منها استعان من الخلق كالسلاطين و أرباب المناصب و أرباع الدنيا و أصحاب الأحوال و أهل الطب في الأمراض و الأوجاع، فإن لم يجد في ذلك خلاصا رجع إلى ربه بالدعاء و التضرع و الثناء، ما دام يجد بنفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق، و ما دام يجد به عند الحق نصرة لم يرجع إلى الخالق، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة استطرح بين يديه مديما للسؤال و الدعاء و التضرع و الثناء و الافتقار مع الخوف و الرجاء، ثم يعجز الخالق عزّ و جلّ عن الدعاء و لم يجيبه حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفذ فيه القدر و يفعل فيه الفعل، فيفنى العبد عن جميع الأسباب و الحركات، فيبقى روحا فقط، فلا يرى إلا فعل الحق فيصير موقنا موحدا ضرورة يقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلا اللّه لا محرك و لا مسكن إلا اللّه و لا خير و لا شر و لا ضر و لا نفع و لا عطاء و لا منع و لا فتح، و لا غلق، و لا موت و لا حياة، و لا عز و لا ذل إلا بيد اللّه فيصير في القدر كالطفل الرضيع في يد الظئر و الميت الغسيل في يد الغاسل و الكرة في صولجان الفارس يقلب و يغير و يبدل، و يكون و لا حراك به في نفسه و لا في غيره فهو غائب عن نفسه في فعل مولاه، فلا يرى غير مولاه و فعله، و لا يسمع و لا يعقل من غيره إن بصر و إن سمع، و علم، فلكلامه سمع، و لعلمه علم، و بنعمته تنعم، و بقربه تسعد، و بتقريبه تزين و تشرف، و بوعده طاب و سكن، و به اطمأن، و بحديثه أنس، و عن غيره استوحش و نفر، و إلى ذكره التجأ و ركن، و به عزّ و جلّ وثق و عليه توكل، و بنور معرفته اهتدى و تقمص و تسربل، و على