سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٣٦ - الفصل الحادي عشر في بيان السعادة و الشقاوة
فلما كان الإنسان جامعا للخواصّ بجميع الكائنات علوّا و سفلا لم يخل الأنبياء و الأولياء من الزّلة، فإنّ الأنبياء معصومون من الكبائر بعد النّبوّة و الرّسالة دون الصّغائر، و الأولياء ليسوا معصومين، و قد قيل: الأولياء محفوظون بعد كمال الولاية من الكبائر.
قال الشّقيق البلخيّ رحمة اللّه عليه: علامة السّعادة خمسة: لين القلب، و كثرة البكاء، و الزّهد في الدّنيا، و قصر الأمل، و كثرة الحياء.
و علامة الشّقاوة خمسة: قسوة القلب، و جمود العين، و الرّغبة في الدّنيا، و طول الأمل، و قلّة الحياء.
و قال رسول اللّه ٦: «علامة السّعيد أربعة: إذا اؤتمن عدل، و إذا عاهد وفّى، و إذا تكلّم صدق، و إذا خاصم لم يشتم. و علامة الشّقيّ أربعة: إذا اؤتمن خان، و إذا عاهد أخلف، و إذا تكلّم كذب، و إذا خاصم يشتم النّاس و لا يعفو عنهم»[١]. كما قال اللّه تعالى: ... فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ...
[الشورى: الآية ٤٠].
و اعلم أنّ تبدّل الشّقاوة إلى السّعادة أو عكسه يكون بالتّربية كما قال رسول اللّه ٦: «كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام و لكن أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»[٢]. و هذا الحديث يدلّ على أنّ في كلّ واحد قابليّة السّعادة و الشّقاوة، فلا يجوز أن يقال: هذا الرّجل سعيد محض، أو شقيّ محض، بل يجوز أن يقال: سعيد إذا غلبت حسناته على سيئاته، و كذا عكسه. و من غيّر هذه فقد ضلّ؛ لأنّه اعتقد أنّ من النّاس من يدخل الجنّة بلا عمل و توبة، أو يدخل النّار بلا معصية، فهذا القول خلاف النصوص لأنّ اللّه تعالى وعد الجنّة لأهل الصّلاح و النّار لأهل المعاصي و الشّرك و الكفر كما قال اللّه تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصّلت: الآية ٤٦]، و قال اللّه تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ... [غافر: الآية ١٧]، و قال اللّه تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) [النّجم: الآيتان ٣٩، ٤٠]، و قال اللّه تعالى:
... وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: الآية ١١٠].
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - رواه البخاري( ١/ ٤٥٦)، و مسلم( ٤/ ٢٠٤٧).