سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٠٤ - المقالة السابعة و الثلاثون في ذم الحسد و الأمر بتركه
هي التوكل قال اللّه تعالى: وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: الآية ٢٣]، و قال تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطّلاق: الآية ٣]، و قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: الآية ١٥٩]، فقد أمرك بالتوكل و نبهك عليه كما أمر نبيه صلى اللّه عليه و سلم في قوله: وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [النّساء: الآية ٨١] فاتبع أوامر اللّه عزّ و جلّ في سؤاله في أعمالك فهي مردودة عليك، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»[١]، هذا يعلم طلب الرزق و الأعمال و الأقوال، ليس لنا نبي غيره فنتبعه و لا كتاب غير القرآن فنعمل به، فيضلك هواك و الشيطان. قال اللّه تعالى: وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: الآية ٢٦] فالسلامة مع الكتاب و السنة، و الهلاك مع غيرهما، و بهما يترقى العبد إلى حالة الولاية و البدلية و الغوثية، و اللّه أعلم.
المقالة السابعة و الثلاثون في ذم الحسد و الأمر بتركه
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: ما لي أراك يا مؤمن حاسدا لجارك في مطعمه و مشربه و ملبسه و منكحه و مسكنه و تقلبه في غناه و نعم مولاه عزّ و جلّ و قسمه الذي قسم له؟ أما تعلم أن هذا مما يضعف إيمانك و يسقطك من عين مولاك عزّ و جلّ و يبغضك إليه؟ أما سمعت الحديث المروي على النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «قال اللّه تعالى في بعض ما تكلم به: الحسود عدو نعمتي»[٢]. و ما سمعت قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»[٣] ثم على أي شيء تحسده يا مسكين؟ أعلى قسمه أم على قسمك؟ فإن حسدته على قسمه الذي قسمه اللّه في قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزّخرف: الآية ٣٢] فقد ظلمته، رجل يتقلب في نعمة مولاه التي تفضل بها عليه و قدرها له و لم يجعل لأحد فيها حظّا و لا نصيبا، فمن يكون أظلم و أبخل و أرعن و أنقص عقلا منك؟ و إن حسدته على قسمك فقد جهلت غاية الجهل، فإن قسمك لا يعطي غيرك و لا ينتقل منك إليه، حاش للّه.
قال اللّه عزّ و جلّ: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) [ق: الآية ٢٩] إن اللّه
[١] - رواه البخاري( ٢/ ٧٥٣، ٩٥٩)، و مسلم( ٣/ ١٣٤٣).
[٢] - لم أقف عليه.
[٣] - رواه أبو داود( ٤/ ٢٧٦)، و ابن ماجه( ٢/ ١٤٠٨). و ابن أبي شيبة في المصنف( ٥/ ٣٣٠)، و أبو يعلى في مسنده( ٦/ ٣٣٠)، و عبد بن حميد( ١/ ٤١٨).