سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٠٣ - المقالة السادسة و الثلاثون في بيان الدنيا و الآخرة و ما ينبغي أن يعمل فيهما
١٥٢] يعني به أبناء الآخرة، فانظر من أبناء أيهما أنت؟ و من أي القبيلتين تحب أن تكون و أنت في الدنيا؟ ثم إذا صرت إلى الآخرة فالخلق فريقان فريق في طلب الدنيا و فريق في طلب الآخرة، و هم أيضا يوم القيامة فريقان (فريق في الجنة و فريق في السعير) فريق في الموقف قيام في طول الحساب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون كما قال تعالى، و فريق في ظل العرش كما أخبر النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنكم تكونون يوم القيامة في ظل العرش عاكفون على الموائد، عليها أطايب الطعام و الفواكه و الشهد أبيض من الثلج»[١]. كما جاء في الحديث:
«و ينظرون منازلهم في الجنة حتى إذا فرغ من حساب الخلق دخلوا الجنة»[٢]، يهتدون إلى منازلهم كما يهتدي أحد الناس في الدنيا إلى منزله، فهل وصلوا إلى هذه إلا بتركهم الدنيا و اشتغالهم بطلب الآخرة و المولى. و هل وقع أولئك الحساب و أنواع الشدائد و الذل إلا لاشتغالهم بالدنيا و رغبتهم فيها و زهدهم في الآخرة و قلة المبالاة بأمرها و نسيان يوم القيامة و ما سيصيرون إليه غدا مما ذكر في الكتاب و السنة.
فانظر لنفسك نظر رحمة و شفقة، و اختر لها خير القبيلتين و أفردها عن أقوال السوء من شياطين الإنس و الجن، و اجعل الكتاب و السنة أمامك و انظر فيهما و اعمل بهما، و لا تغتر بالقال و القيل و الهوس. قال اللّه تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر: الآية ٧] و لا تخالفوه فتتركوا العمل بما جاء به و تخترعوا لأنفسكم عملا و عبادة كما قال عزّ و جلّ في حق قوم ضلوا سواء السبيل وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ [الحديد: الآية ٢٧] الآية، ثم إنه زكي هو عزّ و جلّ نبيه صلى اللّه عليه و سلم و نزهه عن الباطل و الزور فقال عزّ و جلّ: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النّجم: الآيتان ٣، ٤] أي ما آتاكم به فهو من عندي لا من هواه و نفسه فاتبعوه. ثم قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: الآية ٣١] فبيّن أن طريق المحبة اتباعه قولا و فعلا، فالنبي عليه الصلاة و السلام قال: «الاكتساب سنّتي، و التوكل حالتي»[٣] أو كما قال، فأنت بين سنته و حالته و إن ضعف إيمانك فالتكسب الذي هو سنته و إن قوي إيمانك فحالته التي
[١] - روى نحوه الطبراني في الكبير( ١١/ ١٢٥).
[٢] - أورده الهيثمي في مجمع الزوائد( ٧/ ٢٣). و رواه الطبراني في الأوسط( ٣/ ٢٤٩) بنحوه، و قال الهيثمي: و هو ضعيف.
[٣] - لم أقف عليه.