سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٨٥ - المقالة الثانية و العشرون في ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه
المقالة الحادية و العشرون في مكالمة إبليس عليه اللعنة
قال رضي اللّه عنه: رأيت إبليس اللعين في المنام و أنا في جمع كثير فهممت بقتله، فقال لي لعنة اللّه لم تقتلني و ما ذنبي؟ إن جرى القدر بالشر فلا أقدر أغيره إلى خير و أنقله إليه، و إن جرى بالخير فلا أقدر أغيره إلى شر و أنقله إليه، فأي شيء بيدي؟ و كانت صورته على صورة الخناثى لين الكلام مشوه الوجه طاقات شعر في ذقنه حقير الصورة دميم الخلقة، ثم تبسم في وجهي تبسم خجل و وجل و ذلك في ليلة الأحد ثاني عشر ذي الحجة من سنة ستة عشر و خمسمائة، و اللّه الهادي لكل خير.
المقالة الثانية و العشرون في ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: لا يزال اللّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عظم إيمانه و كثر و تزايد عظم بلاؤه، الرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي، لأن إيمانه أعظم، و النبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل و بلاء البدل أعظم من بلاء الولي، كل واحد على قدر إيمانه و يقينه. و أصل ذلك قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إنا معشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل»[١] فيديم اللّه تعالى البلاء لهؤلاء السادات الكرام حتى يكونوا أبدا في الحضرة و لا يغفلوا عن اليقظة، لأنه يحبهم، فهم أهل المحبة يحبون الحق، و المحب أبدا لا يختار بعد محبوبه، فالبلاء خطاف لقلوبهم و قيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل إلى غير مطلوبهم و السكون و الركون إلى غير خالقهم، فإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم و انكسرت نفوسهم و تميز الحق من الباطل فتنزوي الشهوات و الإرادات، و الميل إلى اللذات و الراحات دنيا و أخرى بأجمعها إلى ما يلي النفس و يصير السكون إلى وعد الحق عزّ و جلّ، و الرضا بقضائه، و القناعة بعطائه، و الصبر على بلائه، و الأمن من شر خلقه إلى ما يلي القلب، فتقوى شوكة القلب، فتصير الولاية على الجوارح إليه، لأن البلاء يقوي القلب و اليقين، و يحقق الإيمان و الصبر، و يضعف النفس و الهوى، لأنه كلما وصل الألم و وجد من المؤمن الصبر و الرضا و التسليم لفعل الرب عزّ و جلّ، رضي الرب تعالى عنه و شكره، فجاءه المدد و الزيادة
[١] - رواه البخاري( ٥/ ٢١٣٩)، و ابن حبان( ٧/ ١٦٠، ١٨٤).