سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١١٦ - المقالة الحادية و الخمسون في الزهد
نتمنى، و تحصل لك الكرامة العظمى و العزة الكبرى فإن كنت من المقربين الواصلين إليه عزّ و جلّ ممن أدركتهم العناية و شملتهم الرعاية و جذبتهم المحبة و نالتهم الرحمة و الرأفة، فأحسن الأدب و لا تغتر بما أنت فيه، فتقصر في الخدمة، و لا تخلد إلى الرعونة الأصلية من الظلم و الجهل و العجل في قوله تعالى: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: الآية ٧٢]، و قوله تعالى: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: الآية ١١]، و احفظ قلبك من الالتفات إلى ما تركته من الخلق و الهوى و الإرادة و التخير و ترك الصبر و الموافقة و الرضا عند نزول البلاء، و استطرح بين يدي اللّه عزّ و جلّ كالكرة بين يدي الفارس يقلبها بصولجانه، و الميت بين يدي الغاسل، و الطفل الرضيع في حجر أمه و ظئره، تعامى عمن سواه عزّ و جلّ فلا ترى لغيره وجودا و لا ضرّا و لا نفعا و لا عطاء و لا منعا، اجعل الخليقة و الأسباب عند الأذية و البلية كسوطه عزّ و جلّ يضربك به، و عند النعمة و العطية كيده يلقمك بها.
المقالة الحادية و الخمسون في الزّهد
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: الزاهد يثاب بسبب الأقسام مرتين يثاب في تركها أولا، فلا يأخذها بهواه و موافقة النفس، بل يأخذها بمجرد الأمر، فإذا تحققت عداوته لنفسه و مخالفته لهواه عد من المحقين و أهل الولاية و أدخل في زمرة الأبدال و العارفين أمر حينئذ بتناولها و التلبس بها، إذ هي قسمة لا بد له منها لم تخلق لغيره، جف بها القلم و سبق بها العلم، فإذا امتثل الأمر فتناول أو اطلع بالعلم فتلبس بها بجريان القدر و الفعل فيه من غير أن يكون هو فيه، لا هوى و لا إرادة و لا همة أثيب بذلك ثانيا، هو ممتثل للأمر بذلك أو موافق لفعل الحق عزّ و جلّ فيه.
فإن قال قائل: كيف أطلقت القول بالثواب لمن هو في المقام الأخير الذي ذكرته من أنه أدخل في زمرة الأبدال و العارفين المفعول فيهم، الفانين عن الخلق و الأنفس و الأهوية و الإرادات و الحظوظ و الأماني و الأعواض على الأعمال الذين يرون جميع طاعاتهم و عباداتهم فضلا من اللّه عزّ و جلّ و نعمة و رحمة و توفيقا و تيسيرا منه عزّ و جلّ و يعتقدون أنهم عبيد اللّه عزّ و جلّ، و العبد لا يستحق على مولاه حقّا، إذ هو برمته مع حركاته و سكناته و أكسابه ملك لمولاه، فكيف يقال في حقه يثاب و هو لا يطلب ثوابا و لا عوضا على فعله و لا يرى له عملا، بل يرى نفسه من البطالين و أفلس المفلسين من الأعمال.