سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٩٢ - المقالة السابعة و العشرون في أن الخير و الشر ثمرتان
و القيام معها، فالخير و الشر بفعل اللّه عزّ و جلّ، و اللّه هو فاعلهما و مجريهما. قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ (٩٦) [الصّافات: الآية ٩٦]. و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «اللّه خلق الجازر و جزوره» و أعمال العباد خلق اللّه عزّ و جلّ و كسبهم. قال تعالى:
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النّحل: الآية ٣٢] سبحانه ما أكرمه و أرحمه أضاف العمل إليهم و أنهم استحقوا الدخول إلى الجنة بعملهم، و هو بتوفيقه و رحمته لهم في الدنيا و الآخرة.
قال صلى اللّه عليه و سلم: «لا يدخل الجنة أحد بعمله، فقيل له و لا أنت يا رسول اللّه؟ فقال:
و لا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته و وضع يده على رأسه»[١]، مروي ذلك في حديث عائشة رضي اللّه عنها: «فإذا كنت طائعا للّه عزّ و جلّ ممتثلا لأمره منتهيا لنهيه مسلما له في قدره، حماك عن شره و تفضل عليك بخيره و حماك عن الأسواء جميعها دينا و دنيا. أما دنيا: فقوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: الآية ٢٤]، و أما دينا فقوله عزّ و جلّ: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧) [النساء: الآية ١٤٧] مؤمن شاكر ما يفعل البلاء عنده و هو إلى العافية أقرب من البلاء، لأنه في حمل المزيد أيضا، لأنه شاكر. قال اللّه عزّ و جلّ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: الآية ٧] فإيمانك يطفىء لهب النار في الآخرة التي هي عقوبة كل عاص، فكيف لا يطفىء نار البلايا في الدنيا؟ اللهم إلا أن يكون العبد من المجذوبين المختارين للولاية و الاصطفاء و الاجتباء، فلا بد من البلاء ليصفي به من خبث الهوى و الميل إلى الطباع، و الركون إلى شهوات النفس و لذاتها، و الطمأنينة إلى الخلق و الرضا بقربهم، و السكون إليهم و الثبوت معهم و الفرح بهم، فيبتلى حتى يذوب جميع ذلك، و يتنظف القلب بخروج الكل، و يبقى توحيد الرب عزّ و جلّ و معرفته و موارد الغيب من أنواع الأسرار و العلوم و أنوار القرب، لأنه بيت لا يسعه اثنان، قال اللّه عزّ و جلّ: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية ٤]، و قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النّمل: الآية ٣٤] فأخرجوا الأعزّة عن طيب المنازل و نعيم العيش، و كانت الولاية على القلب للشيطان و الهوى و النفس و الجوارح متحركة بأمرهم من
[١] - رواه الربيع في مسنده( ١/ ٢٨٢)، و الطبراني في مسند الشاميين( ١/ ٤٠٢)، و أورده الحافظ في الفتح( ١١/ ٢٩٥، ١٣/ ٦١)، و الحناوي في فيض القدير( ٤/ ٥٢٢).