سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٧٢ - المقالة العاشرة في النفس و أحوالها
يقول لبلال المؤذن رضي اللّه عنه: «أرحنا يا بلال بالإقامة، لندخل في الصلاة» لمشاهدة ما ذكرنا من الحال، و لهذا قال: «و جعلت قرة عيني في الصلاة».
المقالة العاشرة في النفس و أحوالها
قال رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه: إنما هو اللّه و نفسك و أنت المخاطب و النفس ضد اللّه و عدوه، و الأشياء كلها تابعة للّه، و النفس للّه خلقا و ملكا، و للنفس ادعاء و تمن و شهوة و لذة بملابستها، فإذا وافقت الحق عز و جل في مخالفة النفس و عدوانها فكنت للّه خصما على نفسك كما قال اللّه عزّ و جلّ لداود ٧: «يا داود أنا بدك اللازم فالزم بدك. العبودية أن تكون خصما على نفسك» فتحققت حينئذ موالاتك و عبوديتك للّه عزّ و جلّ، و أئتك الأقسام هنيئا مريئا مطيبا و أنت عزيز و مكرم، و خدمتك الأشياء و عظمتك و فخمتك، لأنها بأجمعها تابعة لربها موافقة له إذ هو خالقها و منشئها، و هي مقرة له بالعبودية. قال اللّه تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: الآية ٤٤]، فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصّلت: الآية ١١]، فالعبادة كل العبادة في مخالفة نفسك. قال اللّه تعالى:
وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص: الآية ٢٦]، و قال لداود ٧:
«اهجر هواك فإنه منازع».
و الحكاية المشهورة عن أبي يزيد البسطامي ; لما رأى رب العزة في المنام فقال له كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك و تعال، فقال: فانسلحت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها، فإذا الخير كله في معاداتها في الجملة و الأحوال كلها، فإن كنت في حال التقوى فخالف النفس، بأن تخرج من حرام الخلق و شبههم و منتهم و الاتكال عليهم و الثقة بهم و الخوف منهم، و الرجال لهم و الطمع فيما عندهم من أحكام الدنيا، فلا تبرح عطاياهم على طريق الهداية و الزكاة و الصدقة أو النذر، فاقطع همك منهم من سائر الوجوه و الأسباب حتى إن كان لك نسب ذو مال لا تتمن موته لترث ماله، فاخرج من الخلق جدّا و اجعلهم كالباب يرد و يفتح، و شجرة توجد فيها ثمرة تارة و تختل أخرى و كل ذلك بفعل فاعل و تدبير مدبر و هو اللّه جل و علا، لتكون موحدا للرب، و لا تنس مع ذلك كسبهم لتخلص من مذهب الجبرية، و اعتقد أن الأفعال لا تتم بهم دون اللّه لا تعبدهم و ننسى اللّه، و لا تقل فعلهم دون اللّه فتكفر فتكون قدريّا، لكن قل هي للّه خلقا و للعباد كسبا كما جاءت به الآثار، لبيان موضع