سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٠١ - مقدمة المؤلف
و مشيت إلى باب الحلبة لأخرج منه إلى الصحراء فقال لي قائل: أين تمشي و دفعني دفعة خررت منها أظنه قال: على ظهري، و قال: ارجع فإن للناس فيك منفعة، قال فقلت: إيش على من الخلق أنا أريد سلامة ديني، قال: ارجع و لك سلامة دينك و لم أر شخص القائل ثم بعد ذلك طرقتني أحوال أشكلت علي فكنت أتمنى على اللّه أن يسهل لي من يكشفها فلما كان من الغد اجتزت بالمظفرية ففتح رجل باب داره، و قال لي: يا عبد القادر تعالى، فجئت فوقفت عليه فقال لي: إيش طلبت البارحة، أو قال:
إيش سألت اللّه بالليل. فسكت و لا أدري ما أقول فاغتاظ مني و دفع الباب في وجهي دفعة عظيمة حتى طار الغبار من جوانب الباب إلى وجهي فلما مشيت قليلا ذكرت الذي سألت اللّه و وقع في نفسي أنه من الصالحين أو قال من الأولياء فرجعت أطلب الباب فلم أعرفه فضاق صدري و كان ذلك الرجل الشيخ حماد الدباس ثم عرفته و صحبته و كشف لي ما كان يشكل علي و كنت إذا غبت عنه لطلب العلم و رجعت إليه يقول لي: إيش جاء بك إلينا أنت فقيه سر إلى الفقهاء فأسكت و كان يؤذيني أذية كبيرة و يضربني و إذا غبت عنه لطلب العلم و جئت إليه يقول: قد جاءنا اليوم الخبز الكثير و الفالوذج و أكلنا و ما خبأنا لك شيئا فطمع في أصحابه لكثرة ما يرونه يؤذيني و جعلوا يقولون: أنت فقيه إيش تعمل هنا أو إيش جاء بك إلينا فلما رآهم يؤذونني غار علي، و قال لهم: يا كلاب لم تؤذونه و اللّه ما فيكم مثله أحد أنا أؤذيه لامتحنه فأراه جبلا لا يتحرك رضي اللّه عنه قال و قال لي الشيخ عبد القادر: كنت آمر و أنهي النوم و اليقظة و كان يغلب على الكلام و يزدحم على قلبي إن لم أتكلم أكاد أختنق و لا أقدر أن أسكت و كان يجلس عندي رجلان أو ثلاثة يسمعون كلامي ثم تسامع الناس و ازدحم على الخلق فكنت أجلس في المصلى بباب الحلبة ثم ضاق على الناس فأخرجوا الكرسي إلى داخل السرر بين التنانير و كان الناس يجيئون في الليل على الشمع و المشاعل يأخذون لهم مواضع ثم ضاق على الناس الموضع فحمل الكرسي إلى خارج البلد و جعل في المصلى و كان الناس يجيئون على الخيل و البغال و الحمير الجمال و يقفون بما دار في المجالس كالسرر و كان يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا رضي اللّه عنه.
و قال أستاذنا الشيخ عبد القادر رضي اللّه عنه: رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قبل الظهر فقال لي: يا بني لم لا تتكلم؟ فقلت: يا أباه أنا رجل أعجمي كيف أتكلم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعا، و قال تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة. فصليت الظهر و جلست و حضرني