سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٧ - الفصل السادس في بيان أهل التصوف
فلفظ التّصوّف أربعة أحرف: التّاء و الصّاد و الواو و الفاء.
فالتّاء: من التّوبة، و هي على وجهين: توبة الظّاهر، و توبة الباطن.
فتوبة الظّاهر: أن يرجع بجميع أعضائه الظّاهرة من الذّنوب و الذّمائم إلى الطّاعات، و من المخالفات إلى الموافقات قولا و فعلا.
و توبة الباطن: أن يرجع بجميع أطوار الباطن عن المخالفات الباطنة إلى الموافقات بتصفية القلب، و إذا حصل تبديل الذّميمة إلى الحميدة فقد تمّ مقام التّاء، و يسمونه تائبا.
و الصّاد: من الصّفاء، و هو على نوعين: صفاء القلب، و صفاء السّرّ.
فصفاء القلب: أن يصفّي قلبه من الكدرات البشريّة، مثل العلاقات الّتي تحصل في القلب من كثرة الأكل و الشّرب من الحلال، و كثرة الكلام، و كثرة النّوم، و كثرة الملاحظات الدّنيويّة، مثل حبّ زيادة الكسب، و زيادة الجماع، و زيادة محبّة الأولاد و أهله و نحو ذلك من المناهي النّفسانيّة.
و تصفية القلب من هذه الكدرات لا تحصل إلّا بملازمة ذكر اللّه تعالى بالتّلقين جهرا في الابتداء إلى أن يبلغ مقام الحقيقة كما قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... [الأنفال: الآية ٢]- أي: خشيت قلوبهم- و الخشية لا تكون إلّا بعد انتباه القلب من نوم الغفلة و تصقيله، فينقش فيه صور الغيب من الخير و الشّر كما ورد: (العالم ينقش و العارف يصقل).
و صفاء السّرّ: الاجتناب عن ملاحظة ما سوى اللّه تعالى و محبته بملازمة أسماء التّوحيد بلسان سرّه. و إذا حصلت هذه التّصفية فقد تمّ مقام الصّاد.
و الواو: من الولاية، تترتب على التّصفية كما قال اللّه تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس: الآية ٦٢] و نتيجة الولاية أن يتخلّق بأخلاق اللّه تعالى كما قال رسول اللّه ٦: «تخلّقوا بأخلاق اللّه»- أي: اتّصفوا بصفات اللّه تعالى، فتلبّس خلع صفات اللّه بعد خلع الصّفات البشريّة كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «إذا أحببت عبدا كنت له سمعا و بصرا و يدا و لسانا، فبي يسمع و بي يبصر و بي يبطش و بي ينطق و بي يمشي» فتهذبوا ممّا سوى اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى: وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ ... [الإسراء: الآية ٨١] فحصل مقام الواو.