سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٦٧ - المقالة السادسة في الفناء عن الخلق
بصرك عن زينتها. و سدّ أنفك عما يفوح من روائحها و شهواتها و لذاتها، فتنجو منها و من آفاتها و يصل إليك قسمك منها و أنت مهنأ، قال اللّه تعالى لنبيه المصطفى صلى اللّه عليه و سلم:
وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى (١٣١) [طه: الآية ١٣١].
المقالة السادسة في الفناء عن الخلق
قال رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه: «افن عن الخلق بإذن اللّه تعالى، و عن هواك بأمر اللّه فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: الآية ٢٣] و عن إرادتك بفعل اللّه تعالى، و حينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم اللّه تعالى، فعلامة فنائك عن خلق اللّه تعالى انقطاعك عنهم و عن التردد إليهم و اليأس مما في أيديهم، و علامة فنائك عن هواك ترك التكسب و التعلق بالسبب في جلب النفع و دفع الضر فلا تحرك فيك و لا تتعمد عليك لك و لا تذب عنك و لا تنفر نفسك، تكل ذلك كله إلى اللّه تعالى لأنه تولاه أولا فيتولاه آخرا، كما كان ذلك موكولا إليه في حال كونك مغيبا في الرحم، و كونك رضيعا طفلا في مهدك و علامك فنائك عن إرادتك بفعل اللّه أنك لا تريد مرادا قط، و لا يكون لك غرض، و لا يبقى لك حاجة و لا مرام، فإنك لا تريد مع إرادة اللّه سواها، بل يجري فعل اللّه فيك، فتكون أنت عند إرادة اللّه و فعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان منشرح الصدر منور الوجه عامر البطن غنيّا عن الأشياء بخالقها، تقلبك يد القدرة، و يدعوك لسان الأزل، و يعلمك رب الملل، و يكسوك أنوارا منه و الحلل، و ينزلك من أولى العلم الأول. فتكون منكسرا أبدا.
فلا يثبت فيك شهوة و إرادة كالإناء المنثلم الذي لا يثبت فيه مائع و كدر، فتنقى عن أخلاق البشرية. فلن يقبل باطنك شيئا غير إرادة اللّه عزّ و جلّ، فحينئذ يضاف إليك التكوين و حرق العادات، فيرى ذلك منك في ظاهر الفعل و الحكم، و هو فعل اللّه و إرادته حقّا في العالم، فتدخل في زمرة المنكسرة قلوبهم الذين كسرت إرادتهم البشرية و أزيلت شهواتهم الطبيعية فاستؤنفت لهم إرادة ربانية كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم:
«حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، و النساء، و جعلت قرة عيني في الصلاة» فأضيف ذلك بعد أن خرج منه و زال عنه تحقيقا بما أشرنا، و تقدم. قال اللّه تعالى:
«أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي»، فإن اللّه تعالى لا يكون عندك حتى تنكر جملة هواك و إرادتك، فإذا انكسرت و لم يثبت فيك شيء أنشأك اللّه فجعل فيك