سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٣٨ - الفصل الثاني عشر في بيان الفقراء
الفقراء»[١]، و قال رسول اللّه ٦: «الفقر فخري»[٢]، و المراد من الفقر الفناء في اللّه، لا يبقى في نفسه لنفسه شيء، و لا يسع في قلبه غير اللّه و حبّه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «لا يسعني أرضي و لا سمائي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن»[٣]- أي: المؤمن الّذي صفا قلبه من الصّفات البشريّة، و خلا من الأغيار فوسع الحقّ جلّ جلاله في قلبه بالعكس.
قال أبو يزيد البسطاميّ قدّس اللّه سرّه: لو أنّ العرش و ما حواه ألقي في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به، فمن أحبّ هؤلاء المحبّين فهو معهم في الآخرة، و علامة حبّهم حبّ صحبتهم، و الاشتياق إلى اللّه و لقائه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، و إنّي لأشدّ شوقا إليهم»[٤].
و أمّا لباسهم فعلى ثلاثة أوجه: صوف الغنم للمبتدىء، و صوف المعز للمتوسّط، و صوف المعز للمنتهي و هو الصّوف المربّع.
قال صاحب تفسير المجمع: يليق بالزّهاد كلّ خشن من الملبس و المطعم و المشرب، لأنّهم أهل الابتداء. و يليق بالعرفاء الواصلين كلّ ليّن منها.
فعمل المبتدىء متلوّن بالحميدة و بالذّميمة. و عمل المتوسّط متلوّن بألوان الحميدة مثل نور الشّريعة و الطّريقة و المعرفة، فلباسهم متلوّن مثل البياض و الزّرقة و الخضرة. و عمل المنتهي خال عن الألوان كلّها مثل نور الشّمس، فنورها لا يقبل الألوان، و كذا لباسهم لا يقبل الألوان مثل السّواد، و هو علامة الفناء، و هو نقاب نور معرفتهم كما أنّ اللّيل نقاب نور الشّمس، و قد قال اللّه تعالى: ... يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ... [الأعراف: الآية ٥٤]، و كما قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) [النّبأ: الآية ١٠] و فيه إشارة لطيفة لمن له لبّ.
و أيضا يكون أهل القربة في الدّنيا في سجن و غربة و غمّ و غصّة و محنة و شدّة و ظلمة كما قال رسول اللّه ٦: «الدّنيا سجن المؤمن»[٥].
[١] - لم أقف عليه بهذا اللفظ، و روى ابن ماجه نحوه( ٤١٢١).
[٢] - رواه الديلمي في الفردوس( ٢٣٩٩) بنحوه.
[٣] - أورده العراقي في المغني عن حمل الأسفار( ٣/ ١٥) و قال: لم أرد له أصلا، و رواه أحمد في الزهد( ص ١٠٣) عن وهب بن منبه نحوه.
[٤] - رواه الديلمي في الفردوس( ٥/ ٢٤٠)، و ذكره الفتني في تذكرة الموضوعات( ص ١٩٦).
[٥] - رواه مسلم( ٤/ ٢٢٧٢)، و الحاكم( ٣/ ٦٩٩)، و ابن حبان( ٢/ ٤٦٣).