سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٢٧ - المقالة الثانية و الستون في المحبة و المحبوب و ما يجب في حقهما
فالتناول المحض و التلبس بما يفتح من النعم من غير اعتراض أحد الأشياء الثلاثة و هي حقيقة الفناء، فيكون المؤمن فيها محفوظا من الآفات و خرق حدود الشرع مصانا مصروفا عنه الأسواء، كما قال اللّه تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: الآية ٢٤] فيصير العبد مع الحفظ عن خرق الحدود كالمقرض إليه المأذون له و المطلق له في الإباحات الميسر له الخير، ما يأتيه قسمه المصفى له من الآفات و التبعات في الدنيا و الآخرة، و الموافق لإرادة الحق و رضاه و فعله و لا حالة فوقها و هي الغاية، و هي السادة الأولياء الكبار الخلص أصحاب الأسرار، الذين أشرفوا على عتبة أحوال الأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين.
المقالة الثانية و الستون في المحبة و المحبوب و ما يجب في حقهما
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: ما أكثر ما يقول المؤمن قرب فلان و بعدت، و أعطى فلان و حرمت، و أغنى فلان و أفقرت و عوفي فلان و أسقمت، و عظم فلان و حقرت، و حمد فلان و ذممت، و صدق فلان و كذبت. أما يعلم أنه الواحد. و أن الواحد يحب الوحدانية في المحبة، و يحب الواحد في محبته.
إذا قربك بطريق غيره نقصت محبتك له عزّ و جلّ و شعبت فربما دخلك الميل إلى من ظهرت المواصلة و النعمة على يديه، فتنقص محبة اللّه في قلبك، و هو عزّ و جلّ غيور لا يحب شريكه فكف أيدي الغير عنك بالمواصلة و لسانه عن حمدك و ثنائك و رجليه عن السعي إليك كيلا تشتغل به عنه، أما سمعت قول النبي صلى اللّه عليه و سلم: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها»[١] فهو عزّ و جلّ يكفّ الخلق عن الإحسان إليك من كل وجه و سبب حتى توحّده و تحبه، و نصير له من كل وجه بظاهرك و باطنك في حركاتك و سكناتك، فلا ترى الخير إلا منه و لا الشر إلا منه عزّ و جلّ، و تفني عن الخلق و عن النفس، و عن الهوى و الإرادة و المنى، و عن جميع ما سوى المولى، ثم يطلق الأيدي إليك بالبسط و البذل و العطاء، و الألسن بالحمد و الثناء فيدللك أبدا في الدنيا ثم في العقبى، فلا تسيء الأدب،
[١] - رواه البيهقي في شعب الإيمان( ١/ ٣٨١)،( ٦/ ٤٨١)، و القضاعي في مسند الشهاب( ١/ ٣٥٠)، و الحكيم فى النوادر( ١/ ١٤٩).