سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٨٧ - المقالة الرابعة و العشرون في الحث على ملازمة باب الله تعالى
و سكناتك و ليلك و نهارك، في خلوتك و جولتك. و احذر المعصية في الجملة في الجوارح و القلب و اترك الإثم ما ظهر منه و ما بطن. لا تهرب منه عزّ و جلّ فيدركك، و لا تنازعه في قضائه فيقصمك، و تتهمه في حكمه فيخذلك، و لا تغفل عنه فينبهك و يبتليك، و لا تحدث في داره حادثة فيهلكك، و لا تقل في دينه بهواك فيرديك و يظلم قلبك، و يسلب إيمانك و معرفتك، و يسلط عليك شيطانك و نفسك و هواك و شهواتك و أهلك و جيرانك و أصحابك و أخلاءك و جميع خلقه حتى عقارب دارك و حياتها و جنها و بقية هوامها فينغص عيشك في الدنيا و يطيل عذابك في العقبى.
المقالة الرابعة و العشرون في الحثّ على ملازمة باب اللّه تعالى
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: احذر معصية اللّه عزّ و جلّ جدّا، و الزم بابه حقّا، و ابذل طوقك و جهدك في طاعته معتذرا متضرعا مفتقرا خاضعا، متخشعا مطرقا، غير ناظر إلى خلقه و لا تابع لهواك، و لا طالب للأعواض دنيا و أخرى، و لا ارتقاء إلى المنازل العالية و المقامات الشريفة، و اقطع بأنك عبده و العبد و ما ملك لمولاه، لا يستحق عليه شيئا من الأشياء، أحسن الأدب و لا تتّهم مولاك، فكل شيء عنده بمقدار، لا مقدّم لما أخّر و لا مؤخّر لما قدّم، يأتيك ما قدّر لك عند وقته و أجله إن شئت أو أبيت، لا تشره على ما سيكون لك، و لا تطلب و تلهف على ما هو لغيرك، فما ليس هو عندك لا يخلو إما أن يكون لك أو لغيرك، فإن كان لك فهو إليك صائر و أنت إليه مقاد و مسير، فاللقاء عن قريب حاصل، و ما ليس لك فأنت عنه مصروف و هو عنك مول فأنى لكما التلاق فاشغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزّ و جلّ في وقتك الحاضر، و لا ترفع رأسك و لا تمل عنقك إلى ما سواه. قال اللّه تعالى:
وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى (١٣١) [طه: الآية ١٣١] فقد نهاك اللّه عزّ و جلّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه و رزقك من طاعته و أعطاك من قسمه و رزقه و فضله، و نبهك أن ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به، و رضاك بقسمك خير لك و أبقى و أبرك و أحرى و أولى، فليكن هذا دأبك و متقلبك و مثواك، و شعارك و دثارك و مرادك و مرامك، و شهوتك و مناك، تنل به كل المرام، و تصل به إلى كل مقام و ترقى به إلى كل خير و نعيم و طريف و سرور و نفيس. قال اللّه تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا