سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٣ - الفصل السادس عشر في بيان زكاة الشريعة و الطريقة
الفصل السادس عشر في بيان زكاة الشّريعة و الطّريقة
زكاة الشّريعة: هي أن يعطي من كسب الدّنيا إلى مصارفه مؤقتة معينة في كلّ سنة مرّة من نصاب معيّن.
أمّا زكاة الطّريقة: فهي أن يعطي من كسب الآخرة كلّه في سبيل اللّه إلى فقراء الدّين و المساكين الأخرويّة.
و الزّكاة زكاة الشّريعة: سمّيت صدقة في القرآن كما قال اللّه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ [التّوبة: الآية ٦٠]، و إنّما سمّيت صدقة لأنّ الصّدقة تصل إلى يد اللّه قبل أن تصل إلى يد الفقراء، و المراد منه قبول اللّه تعالى.
و زكاة الطّريقة: فهي مؤبّدة، و هو أن يعطي ثواب كسب الآخرة للعاصين لرضاء اللّه تعالى، فيغفر اللّه تعالى لهم مثل ثواب الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ، و ثواب التّسبيح و التّهليل، و ثواب تلاوة القرآن و السّخاوة و غير ذلك من الحسنات، فلا يبقي لنفسه شيئا من ثواب حسناته، و يبقي نفسه مفلسا، فاللّه يحب السّخاوة و الإفلاس كما قال رسول اللّه ٦: «المفلس في أمان اللّه في الدّارين».
فالعبد و ما في يده كان لمولاه، فإذا كان يوم القيامة أعطاه اللّه تعالى بكلّ حسنة عشر أمثالها كما قال اللّه تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ... [الأنعام: الآية ١٦٠].
و في معنى الزّكاة أيضا: تزكية القلب من صفة النّفس كما قال اللّه تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ... [البقرة: الآية ٢٤٥]، و المراد من القرض: أن يعطي ما له من الحسنات في سبيل اللّه تعالى إحسانا إلى خلقه لوجهه الكريم، و شفقته بلا منّة كما قال اللّه تعالى: ... لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى [البقرة: الآية ٢٦٤] و لا طلب عوض في الدّنيا؛ و هذا من قسم الإنفاق في سبيل اللّه تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] في سبيل اللّه تعالى.