سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٢٢ - المقالة الثامنة و الخمسون في صرف النظر عن كل الجهات و طلب جهة فضل الله تعالى
بحفظه سوى كونه موجودا في القدر، فعليه أن لا ينازع في القدر بل يوافق و لا ينازع في جميع ما يجري عليه مما يحلو و يمر. الأحوال معدودة فأمر بحفظ حدودها، و الفضل الذي هو القدر غير محدود فيحفظ.
و علامة أن العبد دخل في مقام القدر و الفعل و البسط أنه يؤمر بالسؤال في الحظوظ بعد أن أمر بتركها و الزهد فيها، لأنه لما خلا باطنه من الحظوظ و لم يبق فيه غير الرب عزّ و جلّ بوسط فأمر بالسؤال و التشهي و طلب الأشياء التي هي قسمه، و لا بد من تناولها و التوصل إليه بسؤاله، ليستحقّ كرامته عند اللّه عزّ و جلّ و منزلته، و امتنان الحق عزّ و جلّ عليه بإجابته إلى ذلك، و الإطلاق بالسؤال في عطاء الحظوظ من أكثر علامات البسط بعد القبض، و الإخراج من الأحوال و المقامات و التكليف في حفظ الحدود.
فإن قيل: هذا يدل على زوال التكلف و القول بالزندقة و الخروج من الإسلام، ورد قوله عزّ و جلّ: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) [الحجر: الآية ٩٩]، قيل لا يدل على ذلك و لا يؤدي إليه بل اللّه أكرم و وليه أعز عليه من أن يدخله في مقام النقص و القبيح في شرعه و دينه، بل يعصمه من جميع ما ذكر و بصرفه عنه و يحفظه و ينبهه و يسدده لحفظ الحدود، فتحصل العصمة و تتحفظ الحدود من تكليف منه و مشقة، و هو عن ذلك في غيبة في القرب. قال عزّ و جلّ: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: الآية ٢٤]، و قال عزّ و جلّ: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: الآية ٤٢]، و قال تعالى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) [الصّافات: الآية ٤٠] يا مسكين هو محمول الرب و هو مراده، و هو يربيه في حجر قربه و لطفه، أنى يصل الشيطان إليه و تتطرق القبائح و المكاره في الشرع نحوه؟
أبعدت النجعة و أعظمت الفرية و قلت قولا فظيعا، تبّا لهذه الهمم الخسيسة الدنية و العقول الناقصة البعيدة و الآراء الفاسدة المتخلخلة، أعاذنا اللّه و الإخوان من الضلالة المختلفة بقدرته الشاملة و رحمته الواسعة، و سترنا بأستاره التامة المانعة الحامية، و ربانا بنعمه السابغة و فضائله الدائمة بمنه و كرمه تعالى شأنه.
المقالة الثامنة و الخمسون في صرف النظر عن كل الجهات و طلب جهة فضل اللّه تعالى
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: تقام عن الجهات كلها و لا تبصبص على شيء منها، فما دمت تنظر إلى واحدة منها لا يفتح لك جهة فضل اللّه عزّ و جلّ و قربه،