سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٧٩ - المقالة السابعة عشرة في كيفية الوصول إلى الله بواسطة المرشد
و هو سائقه إليك و رازقه لك، فتشكره حينئذ و تعرف و تعلم، فيزيدك خروجا من الخلق و بعدا من الأيام و أخليت الباطن عما سواه عزّ و جلّ. ثم إذا قوي علمك و يقينك، و شرح صدرك و نور قلبك، و زاد قربك من مولاك و مكانتك لديه عنده، و أهليتك لحفظ الأسرار علمت متى يأتيك قسمك كرامة لك و إجلالا لحرمتك فضلا منه و منة و هداية، قال اللّه عزّ و جلّ: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) [السّجدة: الآية ٢٤]، و قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: الآية ٦٩]، و قال تعالى: وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: الآية ٢٨٢]. ثم يرد عليك التكوين فتكون بالإذن الصريح الذي هو لا غبار عليه و الدلالات اللائحة كالشمس المنيرة، و بكلامه اللذيذ الذي هو ألذ من كل لذيذ، و إلهام صدق من غير تلبس مصفى من هواجس النفس و وساوس الشيطان اللعين.
قال اللّه تعالى في بعض كتبه: «يا ابن آدم أنا اللّه الذي لا إله إلا أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون» و قد فعل ذلك بكثير من أنبيائه و أوليائه و خواصه من بني آدم.
المقالة السابعة عشرة في كيفية الوصول إلى اللّه بواسطة المرشد
قال رضي اللّه تعالى عنه: إذا وصلت إلى اللّه و قربت بتقريبه و توفيقه. و معنى الوصول إلى اللّه عزّ و جلّ خروجك عن الخلق و الهوى و الإرادة و المنى، و الثبوت مع فعله و من غير أن يكون منك حركة فيك و لا في خلقه بك، بل بحكمه و أمره، و فعله فهي حالة الفناء يعبر عنها بالوصول، فالوصول إلى اللّه عزّ و جلّ ليس كالوصول إلى أحد من خلقه المعقول المعهود لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشّورى: الآية ١١] جلّ الخالق أن يشبه بمخلوقاته أو يقاس على مصنوعاته، فالواصل إليه عزّ و جلّ معروف عند أهل الوصول بتعريفه عزّ و جلّ لهم كل واحد على حدة لا يشاركه فيه غيره، و له عزّ و جلّ مع كل واحد من رسله و أنبيائه و أوليائه سر من حيث هو لا يطلع على ذلك أحد غيره، حتى أنه قد يكون للمريد سر لا يطلع عليه شيخه، و للشيخ سر لا يطلع عليه مريده الذي قد دنا سيره إلى عتبة باب حالة شيخه، فإذا بلغ المريد حالة شيخه أفرد عن الشيخ و قطع عنه، فيتولاه الحق عزّ و جلّ فيفطمه عن الخلق جملة، فيكون الشيخ كالظئر