سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٨٠ - المقالة السابعة عشرة في كيفية الوصول إلى الله بواسطة المرشد
و الداية، لإرضاع بعد الحولين، و لا خلق بعد زوال الهوى و الإرادة. الشيخ يحتاج إليه ما دام ثم هوى و إرادة لكسرهما، و أما بعد زوالهما فلا، لأنّه لا كدورة و لا نقصان. فإذا وصلت إلى الحق عزّ و جلّ على ما بينا فكن آمنا أبدا من سواه عزّ و جلّ فلا ترى لغيره وجودا البتة، لا في الضر و لا في النفع، و لا في العطاء و لا في المنع، و لا في الخوف و لا في الرجاء، هو عزّ و جلّ أهل التقوى و أهل المغفرة، فكن أبدا ناظرا إلى فعله مترقبا لأمره، مشتغلا بطاعته، مباينا عن جميع خلقه دنيا و أخرى.
لا تعلق قلبك بشيء منهم و اجعل الخليفة أجمع كرجل كتفه سلطان عظيم ملكه شديد أمره، مهولة صولته و سطوته، ثم جعل الغل في رقبته مع رجليه، ثم صلبه على شجرة الأذرة على شاطىء نهر عظيم موجه، فسيح عرضه، عميق غوره، شديد جريه، ثم جلس السلطان على كرسيه، عظيم قدره، عال سماؤه، بعيد مرامه و وصوله، و ترك إلى جنبه أحمالا من السهام و الرماح و النبل و أنواع السلاح و القسى و مما لا يبلغ قدرها غيره، فجعل يرمي إلى المصلوب بما شاء من ذلك السلاح، فهل يحسن لمن يرى ذلك أن يترك النظر إلى السلطان و الخوف منه و الرجاء له و ينظر إلى المصلوب و يخاف منه و يرجوه، أليس من فعل ذلك يسمى في قضية العقل عديم العقل و الحس مجنونا. بهيمة إنسان؟ نعوذ باللّه من العمى بعد البصيرة، و من القطيعة بعد الوصول، و من الصدود بعد الدنو و القرب، و من الضلالة بعد الهداية، و من الكفر بعد الإيمان. فالدنيا كالنهر العظيم الجاري الذي ذكرناه كل يوم في زيادة ماء و هي شهوات بني آدم و لذاتهم فيها، و الدواهي التي تصيبهم منها. و أما السهام و أنواع السلاح فالبلايا التي يجري بها القدر إليهم، فالغالب على بني آدم في الدنيا البلايا و النفع و الآلام و المحن، و ما يجدون من النعم و اللذات فيها فمشوبة بالآفات إذا اعتبرها كل عاقل لا حياة له و لا عيش و لا راحة إلا في الآخرة إن كان مؤمنا، لأن ذلك خصوصا في حق المؤمن. قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «لا عيش إلا عيش الآخرة»، و قال عليه الصلاة و السلام: «لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه» ذلك في حق المؤمنين، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر»، و قال عليه الصلاة و السلام: «التّقى ملجم» فمع هذه الأخبار و العيان كيف يدّعى طيب العيش في الدنيا. فالراحة كل الراحة في الانقطاع إلى اللّه عزّ و جلّ و موافقته، و الاستطراح بين يديه؛ فيكون العبد بذلك خارجا عن الدنيا، فحينئذ يكون الدلال رأفة و رحمة و لطفا و صدقة و فضلا، و اللّه أعلم.